نقل العاصمة طهران في ضوء الحقائق العلمية والعملية

نقل العاصمة طهران في ضوء الحقائق العلمية والعملية
يُبرز النصّ أنّ نقل العاصمة من طهران قضية معقّدة، إذ تواجه المدينة اختناقًا سكانيًا وبيئيًا وزلزاليًا، فيما تمثّل مركزًا تاريخيًا وسياسيًا واقتصاديًا لإيران، ما يجعل قرار النقل تحديًا وطنيًا يحتاج رؤية عميقة وحكمة قيادية....

كثير من الدول عملت على نقل عواصمها لأسباب سياسية أو إقتصادية أو أمنية أو بيئية ومناخية وغير ذلك، لنستنصر التاريخ ونستدعي أحداثه؛ فقد نقل الإمام عليه السلام عاصمته إلى الكوفة، وأسس الأمويون عاصمتهم في دمشق، وبنى العباسيون بغداد، ثم نقلها المعتصم العباسي إلى ( سُر من رأى ـ سامراء)، ثم أعادوها إلى بغداد في أواسط القرن الثالث الهجري ، واتخذها البويهيون والسلاجقة عاصمة لهما، واتخذ الحمدانيون الموصل وحلب عاصمة لهم؛ وظهر المزيديون وأقاموا قواعد الحلة السيفية واصطفوها عاصمة لهم ،واتخذ العقيليون الموصل عاصمة لهم، وبنى الفاطميون القاهرة واتخذوها عاصمة لدولتهم، وجاء الأيوبيون على أنقاضهم والمماليك من بعدهم واتخذوها مقراً لحكمهما وهكذا عندما ظهرت الدول الأخرى .

نقل العواصم في إيران عبر العصور

في العصور المتأخرة من تأريخ إيران نقلوا العاصمة لأكثر من مدينة؛ ففي أوائل تأسيس الدولة الصفوية اتخذوا تبريز عاصمة لهم، ثم انتقلوا منها إلى قزوين، وبعدها إلى اصفهان ، وفي زمن الدولة الافشارية كانت مدينة مشهد مقر حكمهم، ومن بعدهم نقلت الدولة الزندية العاصمة من الشمال الشرقي حيث مدينة مشهد إلى الجنوب الغربي حيث مدينة شيراز، ولما جاء القاجاريون إلى الحكم سنة 1786م قام مؤسسها محمد خان القاجاري باتخاذ طهران عاصمة رسمية للدولة القاجارية في سنة 1794م، وبقيت عاصمة لإيران منذ ذلك الحين .

قبل حوالي شهر قام الرئيس الإيراني بزشكيان بزيارة مدينة قزوين، وفي أثناء زيارته تلك ألقى كلمة قال فيها: «  عندما قلنا إننا مضطرون لنقل العاصمة، طبعاً لم تكن لدينا حتى الأموال الكافية لذلك، ولو كانت لدينا الأموال اللازمة ربما تحقق ذلك، وكانوا يقولون في ذلك الوقت هذا الكلام غير قابل…لكن في الواقع نحن ليس لدينا خيار آخر، ومضطرون على ذلك، فلا يمكننا زيادة عدد السكان والبناء في هذه المنطقة. نعم يمكننا البناء والتطوير، لكن لا يمكننا حل مشكلة المياه فيها».

لم يرَ الرئيس الإيراني رؤيا في ليلة جهماء ثم ينهض فزعاً ويقول( إني رأيت سبع بقرات سمان…أفتوني في رؤيايي) بل هو يتحدث عن هواجس ألقاها في روعه وزراء ومدراء…

ربما هاله ما سمع وشاهد من الاختناقات المرورية، وزيادة الهجرة إلى العاصمة، أو التلوث البيئي، وربما استثاره أو وقوع العاصمة تحت الخط الزلزالي، وقد تكون مخاوف أخرى وضعت على طاولته.

بتصوري المتواضع أنّ الموضوع عميق ومتشعب، ولا شك أن الرئيس يدرك ذلك .إنّ الرئيس الإيراني يتحدث عن العاصمة وهي تحمل على أديمها حوالي (14) مليون نسمة، وتشغل مساحة جغرافية (730) كيلو متر مربع، وتضم بين جوانحها صناعات مهمة مثل: الصناعات البتروكيماوية، والصناعات الكهربائية، والصناعات الالكترونية، وصناعات الألمنيوم، وصناعة النسيج ، والسكر وغيره؛ مضافاً إلى مئات المراكز الخدمية، والجامعات والمراكز العلمية المهمة. إنّها ليست مدينة مثل بقية المدن الأخرى حتى يصار إلى إستبدالها، بل هي تاريخ متراكم وهوية وطنية وثقافية ، ومصدر لمراكز القوة التي تم بنائها لعقود طويلة؛ بل هي محور لشبكة واسعة مترابطة بين محافظات إيران.

إنّ قيادة المرشد الأعلى تمثل اُنموذجاً يحتذى في الوعي السياسي الرصين، حيث تسهم خطاباته في تعزيز الوحدة المجتمعية وتصنع الهدوء وتعمل على ترسيخ الثقة في المستقبل؛ إذ يتميز أسلوبه بالتوازن بين متطلبات الخطاب العام وضرورات التواصل والطرح الخاص، مع العناية الفائقة في إنتقاء المفردات وتوقيت إطلاقها بما يخدم المصلحة العليا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *