بين خطّة ترامب وتوازنات الحرب: قراءة في حسابات أوروبا وروسيا ومصير الصراع الدولي حول أوكرانيا

بين خطّة ترامب وتوازنات الحرب: قراءة في حسابات أوروبا وروسيا ومصير الصراع الدولي حول أوكرانيا
ترفض أوروبا وأوكرانيا خطط التسوية خوفًا من هزيمة سياسية، فيما تدير واشنطن حرب استنزاف تركّز فيها على الصين. انهيار روسيا غير واقعي بدعم حلفائها، والحرب تتحوّل إلى صراع طويل يعيد تشكيل النظام الدولي...

لماذا يرفض الأوروبيون خطط التسوية؟ وهل تراهن بروكسل على المستحيل؟ وكيف يعاد تشكيل النظام العالمي في ظل حرب استنزاف مفتوحة؟

منذ تسريب النسخة غير المؤكدة من “خطة ترامب للسلام” في أوكرانيا، دخل المشهد الدولي مرحلة جديدة من الارتباك الاستراتيجي، فبينما اعتبرت كييف أن التسريبات قد تكون تمهيدا لتغيير جوهري في موقف واشنطن، رفضت أوروبا حتى مناقشتها، وكأنها إعلان استسلام تسقط رهاناتها الوجودية ضد روسيا.

لكن السؤال الاهم الذي يفرض نفسه هو:

لماذا تصر أوروبا وأوكرانيا على رفض أي تسوية محتملة -حتى لو كانت عملية-رغم غياب القدرة الواقعية على الانتصار العسكري؟

فهل تراهن أوروبا:

– على تغيّر داخلي في روسيا.

– على انهيار غير مرجّح.

– أم على “الدعم الأميركية” الذي قد يعود بقوة بعد الانتخابات النصفية؟

وما موقع الصين وإيران وحلفاء روسيا في هذه المعادلة؟ وهل يمكن أن ينهار النظام الروسي أصلا كما يحلم الغرب؟

  • خلفيات الانقسام الغربي بعد تسريبات خطة ترامب

1-تسريب غير مؤكد، لكنه صادم سياسيا:

رغم عدم تأكيد واشنطن صحة الوثيقة المسربة، إلا أنها أثارت قلقا حقيقيا لدى كييف والاتحاد الأوروبي، لأنها توحي بتغيير محتمل في أولويات الولايات المتحدة.

فالأوروبيون يدركون أن أي خطة أميركية تطرح دون مشاركتهم قد تسحب البساط من تحت رؤيتهم للحرب، وقد تجعلهم مجرد “تابعين” بدل أن يكونوا شركاء في صياغة مستقبل القارة.

2- تفاقم الاختلاف بين أوروبا وأميركا

على السطح هناك انسجام غربي في دعم أوكرانيا، لكن تحت هذا السطح يوجد شرخ استراتيجي عميق:

– أوروبا تريد إضعاف روسيا إلى الحد الذي يمنعها من تهديد أوروبا لعقود.

– الولايات المتحدة تريد حربا ترهق روسيا دون أن تستنزف واشنطن نفسها، مع التركيز على التحدي الأكبر “الصين.”

– أوكرانيا تريد استعادة الأراضي بالكامل، وهو شرط غير واقعي وفق المؤسسات الغربية نفسها.

من هنا تم رفض خطة ترامب فورا لأنها بدت متساهلة بالنسبة لأوروبا ومتأخرة بالنسبة لأوكرانيا.

3- الموقف الأوكراني: حساسية قصوى لأي تنازل

تقف كييف اليوم في منطقة خطرة فهي لا تستطيع الهجوم، ولا تستطيع التنازل، ولا تستطيع الاعتماد على دعم أميركي مستمر دون قيود، وهذا يجعلها الطرف الأكثر رفضا لأي خطة لا تضمن لها:

-حماية دولية دائمة.

– وقفا للنار لا ينهي مكاسب روسيا.

-التزاما بتسليح طويل الأمد.

  • رهانات أوروبا – بين الخوف من موسكو والخوف من واشنطن

1-لماذا ترفض أوروبا أي تسوية الآن؟

لأن أوروبا ترى أن أي وقف فوري للحرب:

– سيظهرها كمن انهزم سياسيا أمام موسكو.

– سيبقي روسيا على أبواب الاتحاد الأوروبي.

– سيطعن بنموذج الردع الأوروبي الذي بني منذ الحرب الباردة.

– سيجعل أي دولة غربية تبدو عاجزة أمام تهديدات عسكرية مستقبلية.

فأوروبا لا ترفض خطة ترامب بسبب تفاصيلها، بل لأنها تخاف من الرسالة السياسية التي ستنعكس على مستقبل القارة.

2-هل تراهن أوروبا على شيء؟ أم على الوهم؟

الأوروبيون يراهنون على أمر يكاد يكون مستحيلا:

-انهيار روسيا من الداخل! وهو رهان غير واقعي بسبب:

1-الاقتصاد الروسي تكيّف مع العقوبات.

2- المجتمع الروسي تعبّأ بحرب تقدّم كمعركة وجود.

3-المعارضة ضعيفة.

4-الدعم الصيني والإيراني ساعد موسكو على كسر الحصار.

5-الصناعات العسكرية الروسية تضاعفت وليس العكس.

ورغم ذلك يستمر الأوروبيون بتصديق “سردية الانهيار القريب!”.

3-هل تخاف أوروبا من أميركا أكثر من روسيا؟

جزء من هذا حقيقة.

لان أوروبا تدرك أن واشنطن يمكن أن تغير سياساتها كل أربع سنوات! بينما روسيا رغم عدائها أكثر ثباتا في استراتيجيتها.

ولهذا هي تعتبر أي خطة أميركية مفاجئة تعتبر تهديدا سياسيا وليس فرصة للسلام.

  • هل يمكن لروسيا أن تنهار؟ ولماذا يبني الغرب توقعاته على هذا الاحتمال؟

1-    مقومات الاستقرار الروسي

على خلاف ما يشاع في الإعلام الغربي، النظام الروسي يتمتع بعوامل استقرار كبيرة:

-تماسك الدولة العميقة.

-سيطرة كاملة على أدوات الأمن والجيش.

– اقتصاد مقاوم للعقوبات بدعم الصين وآسيا.

-ارتفاع شعبية الحكومة بسبب الخطاب القومي.

-تحوّل الحرب إلى معركة وجود وليست مجرد نزاع حدودي.

2-لماذا يتمنى الغرب انهيار روسيا داخليا؟

لأن الغرب لا يستطيع الانتصار عسكريا، وبالتالي يسعى إلى:

-استنزاف روسيا حتى السقوط.

– إضعاف الجيش الروسي لسنوات.

– تقويض نفوذ موسكو في آسيا والشرق الأوسط.

– توجيه إنذار إلى الصين قبل أزمة تايوان.

لكن هذه الأمنيات لا تبني استراتيجيات ناجحة.

3- موقف حلفاء روسيا (الصين – إيران – كوريا الشمالية – دول البريكس)

هذه الدول لن تسمح بانهيار موسكو، لأنها تعتبر روسيا:

– ركيزة في النظام العالمي الجديد.

– حاجزا أمام الهيمنة الأميركية.

-شريكا استراتيجيا في الطاقة والسلاح.

– ضمانة لعدم تطويق الصين.

-إيران تحديدا ترى أن سقوط روسيا يعني محاصرتها مباشرة.

-والصين تعتبر أن انهيار موسكو = انهيار مشروع التعددية القطبية.

بالتالي فكرة “سقوط روسيا” مع انها غير واقعية ومضحكة، فهي ليس مسموحا بها دوليا.

  • ماذا لو سحبت واشنطن دعمها؟ سيناريو كارثي لأوروبا وكييف

1-قدرة أوروبا على مواجهة روسيا وحدها

معدومة عمليا، لأن جيوشها صغيرة، وذخائرها قليلة، وصناعتها الدفاعية ضعيفة مقارنة بروسيا التي تضاعف إنتاجها الحربي.

وبدون أميركا:

– الدفاع الجوي الأوروبي ينهار.

– الدعم اللوجستي يتوقف.

– الاستخبارات تتراجع 70%.

والاقتصاد الأوروبي يتعرض لضربة شديدة بسبب الطاقة والسوق الروسية.

2-ماذا عن كييف؟

أوكرانيا بدون دعم أميركي مباشر:

-تفقد القدرة على الدفاع.

-تفقد السيادة الجوية.

– تفقد الذخائر والصواريخ بعيدة المدى.

– تفقد مصادر التمويل الأساسية.

وتصبح أمام خيارين: التفاوض أو الانهيار!

3-احتمال النووي

روسيا لن تستخدم النووي إلا في حالة واحدة:

إذا شعرت بتهديد وجودي وأن الدولة الروسية نفسها مهددة بالانهيار.

وهذا الاحتمال يرتفع إذا:

– حاولت أوكرانيا استعادة القرم.

-انهيار الجيش الروسي فجأة وهو مستبعد جدا.

-تدخل الناتو بشكل مباشر.

فأوروبا – بشكل غير مباشر – تلعب بالنار من خلال رفض التسويات.

  • على ماذا تراهن أوروبا إذاً؟

يمكن تلخيص الرهان الأوروبي بثلاث نقاط اساسية:

1-رهان على “تغيّر داخلي” في روسيا، وهو رهان ضعيف، بل هو أقرب إلى وهم سياسي.

2-رهان على التفوق الاقتصادي الأوروبي، لكن أوروبا اليوم أضعف اقتصاديا من، الولايات المتحدة، الصين، وحتى أضعف من روسيا في مجالات الطاقة والتسليح.

3-رهان على العودة الأميركية للحرب بعد انتخابات الكونجرس النصفية، وهو رهان خطير، لأن أوروبا تقامر بمستقبلها على نتائج انتخابات بلد آخر.

  • هل تتجه أوروبا إلى حرب عالمية ثالثة؟

رفض التسوية + استمرار التصعيد + الإيمان المغلوط بانهيار روسيا =وصفة كلاسيكية لانزلاق غير مقصود نحو حرب كبرى.

ومن سيستفيد؟

أميركا أولا:

-استنزاف روسيا.

-إضعاف أوروبا.

-تعزيز الدولار.

-قطع الطريق أمام الصين.

-استمرار قيادة النظام العالمي.

لكن ما ثمن هذا؟

قد يكون وجود أوروبا نفسه على المحك.

  • الخلاصة

بعد كل ما تقدم تبدو الصورة النهائية واضحة…

-أوروبا ترفض التسويات لأنها تخشى الهزيمة السياسية أكثر من الهزيمة العسكرية.

-أوكرانيا لا تملك قدرة الهجوم ولا خيار التنازل.

-روسيا لن تنهار، ولن تسمح الصين وإيران وحلفائها بذلك.

-الولايات المتحدة تلعب لعبة طويلة هدفها الصين، لا روسيا ولا أوكرانيا.

– الحرب تتحول إلى استنزاف استراتيجي بلا أفق.

– أوروبا تراهن على المستحيل، وهذا يجعل الحرب أخطر مما تبدو.

– والعالم يتجه شيئا فشيئا نحو نظام دولي جديد، وأوكرانيا ليست سوى ساحة اختبار له.

  • اخيرا

الحرب في أوكرانيا لم تعد حربا أوروبية ولا صراعا حدوديا، بل تحولت إلى بوابة لإعادة تشكيل العالم.

أوروبا تصر على القتال لأنها لا ترى بديلا آخر يحفظ هيبتها، وأوكرانيا تقاتل لأنها عالقة في معادلة وجودية، وروسيا تقاتل لأنها تعتبر الصراع مسألة بقاء.

لكن في النهاية…

ليس هناك طرف قادر على تحقيق نصر كامل.

وليس هناك أي مؤشر على انهيار روسيا، ولا على قدرة الغرب على فرض شروطه، ولا على قدرة أوكرانيا على استعادة أراضيها.

ما نراه هو حرب طويلة ستغيّر النظام العالمي، وربما تقترب – إذا استمر العناد – من حدود مواجهة كبرى، حيث يكون الرابح الوحيد هو الولايات المتحدة، والخاسر الأكبر هو أوروبا.

هذه ليست نبوءة…

بل قراءة واقعية لما يجري اليوم على الأرض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *