• لقاء ترامب وأبو محمد الجولانيمنذ اللحظة التي امتدح فيها دونالد ترامب أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع)، بوصفه “قائدا قويا” و”رجلا صلبا”، بدا واضحا أن الرسالة لا تتعلق بالشرع نفسه بقدر ما تتعلق باتجاهات السياسة الأمريكية في سوريا. فترامب، الذي يعتمد لغة المديح المفرط كجزء من براغماتيته التفاوضية، لم يكن بصدد تمجيد شخصية سورية صاعدة بقدر ما كان يبحث عن واجهة سنّية قابلة للتسويق ضمن مقاربة واشنطن الجديدة لإدارة الملف السوري بعد فشل مشاريعها الكبرى. إن توقيت تصريحات ترامب، وطبيعة الشخصية التي اختار الثناء عليها، يكشفان أن الولايات المتحدة تسعى إلى تجريب واجهات محلية جديدة تتكيّف مع مرحلة ما بعد الحرب، وتبدو مناسبة لتوازنات إقليمية تتغير بسرعة، خصوصا مع انحسار النفوذ الأمريكي واقتراب لحظة انتقال أثقل لروسيا وإيران والصين في الساحة السورية. •خيارات واشنطن الضيقة1-الإسلاميون كأداة قديمة تعود بثوب جديدتاريخيا، اعتمدت واشنطن على (الإسلاميين!) من المجاهدين “العرب الأفغان” وصولا إلى فصائل سوريا بوصفهم أدوات رخيصة التكلفة، قادرة على تعطيل خصومها، وخلق فراغات قابلة لإعادة التشكيل. لكن نجاح هذه المقاربة لم يكن كاملا، فبعض هذه التنظيمات الارهابية خرجت عن السيطرة، بينما مثّل بعضها الآخر تهديدا للأمن الأمريكي نفسه. واليوم، تعود هذه الحسابات بطريقة مختلفة، فمع تراجع قدرة الولايات المتحدة على فرض مشاريع كبرى في الشرق الأوسط، تتصاعد قيمة القوى غير النظامية كأدوات ضغط على الخصوم الجدد، خصوصا روسيا والصين وإيران. لكن هذا لا يعني إطلاق العنان لتنظيمات مثل داعش، بل يعني -وفق التفكير الأمريكي- استخدام الفوضى بحجم محسوب، من خلال شبكات صغيرة، وتوترات محلية، وهياكل أمنية لا تسمح بقيام سلطة بديلة مستقلة. 2-ورقة داعشهناك سردية تتحدث عن احتمال سماح واشنطن بعودة داعش إذا اضطرت للانسحاب من المنطقة، هذه الفكرة رغم كونها تحمل نوعا من الصحة لكنها ليست دقيقة. فالولايات المتحدة لن تسمح بقيام “دولة خلافة” جديدة تهدد إسرائيل، والخليج، والطرق الدولية، لكنها قد تسمح، أو حتى توظّف، بقايا التنظيم لتقييد نفوذ الآخرين، وتعطيل محاور النقل والطاقة، وإبقاء الملف السوري مفتوحا دون حسم نهائي. بمعنى آخر:واشنطن لا تريد “قوة كبرى بديلة”، لكنها تريد “عقدة أمنية دائمة”. 3-الإخوان المسلمون الخيار الاقربعلى النقيض من داعش، يبقى الإخوان الخيار الأقرب والانسب من وجهة نظر واشنطن. فالتنظيم يمتلك بنية اجتماعية، وخبرة سياسية، وقابلية للتطويع الإعلامي، مما يجعله “البديل السني الآمن” في حال أرادت واشنطن خلق سلطة محلية لا تهدد مصالحها. من هنا يمكن قراءة مديح ترامب للشرع:البحث عن نموذج “سنّي قابل للترويج” يجمع بين الحداثة الشكلية والامتداد الاجتماعي. •صراع الصيني الأمريكي مع صعود الصين، لم يعد الشرق الأوسط مجرد ساحة نفطية، بل أصبح جزءا من سلسلة إمداد عالمية تحاول بكين تأمينها عبر مشروعها الضخم “الحزام والطريق.” ولأن واشنطن تدرك أن خروجها الكامل من المنطقة سيمنح الصين وروسيا وإيران أفضلية جيوسياسية، فإنها تبحث عن أدوات منخفضة الكلفة لإبقاء الأرض ساخنة عبر:– دعم قوى محلية متناقضة. – تعطيل طرق التجارة. – إثارة صراعات جزئية. – منع قيام سلطة مركزية قوية في سوريا والعراق. هنا يظهر مجددا دور التكفيريين بوصفهم أدوات تعطيل لا أدوات حكم. • محور المقاومةالنظرة الموضوعية للوضع في دمشق تظهر بوضوح أن:– المشاريع الأمريكية في سوريا تتآكل. – البدائل المطروحة (داعش، الإخوان، واجهات جديدة) تعكس أزمة خيارات لا رؤية واضحة. والقوى المحلية المتجذرة -خصوصا تلك التي تمتلك دعما شعبيا وشبكات أمنية وعسكرية- هي الأكثر قدرة على الصمود. وأي محاولة أمريكية لإعادة توظيف التكفيريين ستصطدم بقوة المحور في الميدان وبتطور قدرة “المقاومة السورية” الناشئة على إدارة الصراع طويل الأمد. المنطقة اليوم لا تتحرك وفق الإرادة الأمريكية وحدها، بل وفق توازن جديد تقوده إيران وحلفاؤها في مواجهة تراجع الهيمنة الغربية. •اخيراإن البحث الأمريكي عن “قائد سني جديد” أو “قوة إسلامية قابلة للضبط” يعكس تحوّلا عميقا، وفيه دلالة على ان واشنطن لم تعد قادرة على رسم شكل الشرق الأوسط كما كانت تفعل قبل عقدين. وهي اليوم، تتعامل مع الساحة السورية بأدوات محدودة، وبنموذج “الفوضى المحسوبة” بدل “الهندسة السياسية”. ومهما تنوّعت الواجهات التي تروّج لها -من شخصيات ارهابية إلى الإخوان المسلمين- فإن الواقع سيفرض معادلة مختلفة:لان القوى التي تملك الأرض، الدم، والشرعية الميدانية هي التي ستحدد مستقبل سوريا. |


