العراق ومعركة تشكيل الحكومة: القوى الشيعية بين نشوة الفوز وواقع الضغوط… سباق رئاسة الوزراء الذي يكشف هشاشة البيت الشيعي

العراق ومعركة تشكيل الحكومة: القوى الشيعية بين نشوة الفوز وواقع الضغوط… سباق رئاسة الوزراء الذي يكشف هشاشة البيت الشيعي
يكشف النص مأزق الإطار الشيعي رغم تفوقه العددي، نتيجة الانقسام الداخلي، وضغوط واشنطن، وحساسية محور المقاومة، ووجود التيار الصدري كلاعب غير معلَن، ما يجعل اختيار رئيس الوزراء اختباراً لقدرته على البقاء موحَّداً....

من فائض الثقة إلى عقدة القرار: لماذا يبدو الإطار الشيعي قويا في الأرقام… وضعيفا في مواجهة الاستحقاق الحقيقي؟

مع إعلان النتائج النهائية للانتخابات، تحرك الإطار التنسيقي بسرعة لتشكيل لجنة قيادية تضم نوري المالكي، فالح الفياض، وهمام حمودي، بهدف فتح باب التفاوض مع القوى السياسية الأخرى.

خطوة تظهر حرص الإطار على الإمساك بزمام المبادرة، لكنها في الوقت ذاته ربما تعكس أزمة أعمق:

حيث لا اتفاق داخلي على طبيعة المرحلة، ولا رؤية مشتركة حول “من هو رئيس الوزراء المناسب”.

ورغم الثقة العالية التي تبديها بعض القوى الشيعية -بعد تحقيقها نتائج انتخابية غير متوقعة- إلا أن القراءة الدقيقة تكشف أن هذه “النشوة” قد تتحول بسهولة إلى عبء، وأن الطموحات المتضخمة لبعض الأطراف تكاد تطيح بما تبقى من وحدة سياسية داخل البيت الشيعي.

فبعض القوى تعتبر نفسها اليوم “حارسة الاغلبية”، وترى أن لحظة النفوذ قد حانت، ولو على حساب التوازنات داخل البيت الشيعي، بينما القوى التقليدية تشعر بأن نفوذها يعاد رسمه من جديد، وأن الخرائط تتغير دون أن تكون هي من يمسك الزمام.

•التسريب الأخطر: عشرة أسماء… أم عشرة ألغام؟

التسريب الأخير لأسماء عشرة مرشحين لرئاسة الوزراء لا يبدو امرا بريئا، ويحتمل ان يكون بالون اختبار مدروس، وربما محاولة لحرق الأسماء داخل الإطار قبل أن تبدأ المفاوضات الحقيقية.

فكل اسم في القائمة يحمل نقاط قوة، لكنه في الوقت ذاته محاط بكمّ كبير من المحاذير:

-بعضها مرتبط بملفات فساد.

-بعضها بتاريخ سياسي حساس.

-بعضها بمواقف متباينة تجاه الحشد الشعبي.

-وبعضها الآخر بعدم امتلاك غطاء شيعي كاف.

الأخطر من أسماء المرشحين هو التوقيت، فالتسريب خرج قبل أن يجلس قادة الإطار إلى طاولة الحسم، وهذا وحده مؤشر على أن الصراع الداخلي موجود، وأن هناك أطرافا تريد إرباك الطاولة، وربما فرض أسماء بطريقة “الحرق أولا… والاتفاق لاحقا”.

•شروط الإطار: رئيس بلا أنياب

المعايير الأربعة التي وضعها الإطار لمرشحه تكشف عن محاولة مبكرة لتقييد رئيس الوزراء المقبل ومنعه من التحول إلى مركز قوة مستقل:

1-حسن السيرة والسلوك.

2-علاقات جيدة مع واشنطن وطهران.

3-توقيع تعهد بعدم تشكيل كيان سياسي.

4-لجنة من الإطار تختار فريق مكتبه.

وهذه الشروط وغيرها باستثناء الأول والثاني ليست تقنية بقدر ما هي سياسية… وهي محاولة لضمان رئيس وزراء “منسجم” بشكل مطلق مع الإطار… أو بالأحرى غير “مزعج!”.

وهذا يعكس حجم القلق المتبادل داخل الإطار بعد تجربة السوداني، وخشية البعض أن يكرر التاريخ نفسه إذا وصل شخص قادر على “التمرد!”.

•العامل الدولي: واشنطن تدخل علنا عبر بوابة الدولار

معهد الشرق الأوسط الأميركي كشف عن توجه داخل الإدارة الأميركية لاستخدام الاقتصاد “الدولار” كورقة ضغط مباشرة على الحكومة القادمة.

وهو إعلان غير مسبوق من حيث الوضوح.

والرسالة واضحة:

من لا يلتزم بشروط واشنطن بخصوص الحشد والفصائل ومحور المقاومة… سيدفع الثمن…

وهذا يعني أن أي رئيس وزراء جديد سيواجه سؤالا وجوديا:

هل يستطيع العراق إدارة اقتصاده من دون الرضا المالي الأميركي؟

الجواب الواقعي هو: لا.

لكن في المقابل، لا يمكن لأي رئيس وزراء أن يدخل في صدام مفتوح مع محور المقاومة في لحظة إقليمية تنذر بانفجار كبير في إيران ولبنان واليمن والعراق معا، والحكومة المقبلة لن تكون حكومة خدمات فقط… وانما حكومة “توازنات دقيقة” في ساحات مشتعلة.

•التيار الصدري: اللاعب الغائب الحاضر في معادلة اختيار رئيس الوزراء

رغم مقاطعة التيار الصدري للانتخابات، إلا أن تأثيره يبقى حاضرا بقوة في كل خطوة سياسية داخل البيت الشيعي.

التيار، بقاعدته الشعبية الواسعة وقدرته على تحريك الشارع، يمثل عامل ضغط مباشر لأي مرشح، خصوصا إذا ظهرت أي بوادر توافق داخلي على شخصية مرفوضة لدى التيار.

الإطار يدرك أن أي رئيس وزراء جديد لا يمكنه تجاهل الشارع الصدري، فحتى الجمود أو الصمت من جانب التيار يشكل تهديدا ضمنيا، لإمكانية هذا التيار الواسع على تعطيل الحكومة عبر وسائل ضغط شعبية (الاعتصامات، الاحتجاجات) وسياسية غير رسمية.

لذلك، التيار يعمل كمعادل قوة غير معلن، يقيّد خيارات الإطار ويجبره على دراسة كل مرشح ليس فقط من زاوية التوافق الداخلي، بل من زاوية تفادي صدام محتمل مع قاعدة شعبية ضخمة، قد تحدث زلزالا في أي تسوية شيعية.

ولهذا فان محور المقاومة، ينظر إلى التيار الصدري بعين “الحذر الاستراتيجي”، باعتباره قوة شعبيّة يجب احترامها، لكنها ليست شريكا مستقرا، ويجب أن يكون أي تعامل معها ضمن حسابات دقيقة، لضمان أن أي رئيس وزراء قادم لا يصبح أداة لإرباك موازين القوى داخليا.

•الإطار ومحور المقاومة: التوازن الذي لا يقال علنا

رغم أن الخطاب العلني للإطار يتحدث عن “رئيس توافقي”، إلا أن الحقيقة أن الإطار يريد رئيسا:

-لا يطعن الحشد من الخلف.

– ولا يخضع لوصفات السفارة.

ولا يسمح بتحويل العراق إلى منصة حصار على إيران والمحور.

وهذه رؤية متقاطعة مع منطق محور المقاومة، لكنها تطرح اليوم بشكل خجول وخفي تحت عناوين عامة مثل “حفظ السيادة” و”منع التدخلات”.

لذلك فإن الإطار، رغم أزماته، يحاول ألا يخرج من المسار الاستراتيجي، حتى لو اضطر لتقديم تنازلات تكتيكية على صعيد الأسماء.

•قائمة المرشحين العشرة المسرّبة

وفي العود للقائمة المسرّبة يبدو واضحا انها تضم أسماء متباينة سياسيا وتنظيميا، ولا يملك أي منها شروط النجاح الكاملة.

والقراءة الدقيقة تشير إلى أن أغلب هذه الأسماء وضعت لاختبار ردود الفعل أكثر من كونها خيارات حقيقية.

وحسب التقييم وفق معايير الإطار:

-الموقف من الحشد.

-العلاقات الخارجية.

-القوة السياسية.

وقابلية التمرير داخل المكوّن الشيعي:

حيدر العبادي: رغم الرضا الأمريكي المتوقع لترشيحه فان فرصه ضعيفة جدا بسبب صدامه مع الحشد عام 2018.

محمد شياع السوداني: فرصه متوسطة، لكنه خسر دعم اغلب أطراف الإطار قبل وبعد الانتخابات.

قاسم الأعرجي: قد يكون من أكثر المرشحين توازنا، فهو مقبول خليجيا وأميركيا وإيرانيا، لكن حسابات البيت الشيعي الداخلية تعرقل تمريره.

حميد الشطري: تكنوقراطي أمنى هادئ، لكن بلا قوة تنظيمية تضمن تمريره.

علي الشكري: فرصه ضعيفة، مقبول خارجيا لكنه بلا قاعدة سياسية.

باسم البدري: !؟

محمد توفيق علاوي: مرشح سابق للمنصب وفرصه شبه منعدمة بسبب خلافات 2020.

أسعد العيداني: فرصه جيدة، لكنه يثير مخاوف داخل الإطار من تحوله إلى مركز قوة مستقل.

عبد الحسين عبطان: غير قوي تنظيميا، غير مرفوض أميركيا وإيرانيا، لكنه ضعيف داخليا.

عبد الله النائل: !؟

•اخيرا: مأزق الإطار ومأزق العراق

المعركة الحالية ليست مجرد صراع على اسم رئيس وزراء، بل هي اختبار حقيقي لمدى قدرة الإطار السابق! على أن يكون “إطارا”، لا مجرد تجمع هشّ، وفي اللحظة التي ترى فيها بعض القوى أن الوقت قد حان لفرض مرشح بالقوة هي اللحظة ذاتها التي قد ينفجر فيها البيت الشيعي من الداخل.

وإذا اختارت بعض قوى الإطار طريق المغالبة، أو اعتقدت أن نشوة الفوز تتيح لها القفز فوق التوافقات، فإنه ستدفع الثمن سريعا: داخليا، وإقليميا، ودوليا.

أمّا إذا أحسن الشيعة قراءة اللحظة، وفهموا أن العراق اليوم جزء من معادلة إقليمية كبرى، وأن أي خطأ في البوصلة قد يجرّ البلد إلى مواجهة ليست له طاقة عليها، فسيستطيعون أن يخرجوا من هذه الجولة بمرشح “لا يبيع الداخل للخارج، ولا يطعن المحور من الخلف”، ويكون قادرا على قيادة السفينة وسط هذا البحر المضطرب.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *