المقدمة:
منذ عام 2011، ومع تصاعد التحولات الإقليمية بعد الربيع العربي، برزت الإمارات العربية المتحدة كلاعب محوري في النزاعات العربية والإفريقية. لم يعد حضورها مقتصرًا على التمويل أو الدعم السياسي، بل اتخذ مسارًا أكثر خشونة عبر تسليح ميليشيات، توظيف مرتزقة، السيطرة على الموانئ والجزر، وتغذية صراعات داخلية. تقارير أممية ودراسات بحثية وصحفية وصفت هذا النهج بأنه سياسة «النفوذ عبر الفوضى»، أو ما يمكن تسميته بـ«هندسة الفوضى».
هذا المقال يرصد أدوار الإمارات في اليمن وليبيا والسودان، ويستشرف مساراتها المقبلة، مع تحليل الأبعاد السياسية والقانونية والإنسانية لهذه التدخلات.
أولاً: اليمن — بين تبعية عدن واستقلال صنعاء
– حكومة عدن — واجهة التبعية: الحكومة التي اتخذت من عدن مقرًا لها لا تُمارس سلطتها بوصفها كيانًا مستقلًا، بل تبدو أقرب إلى إدارة مرتبطة بمصالح الإمارات والسعودية. تعتمد في وجودها على الدعم المالي والعسكري الخارجي، وتفتقر إلى القدرة على فرض سيادة فعلية على الأرض. هذا الارتباط جعلها في نظر كثير من اليمنيين مجرد واجهة سياسية تخدم أجندات إقليمية أكثر مما تمثل إرادة وطنية.
– سلطة صنعاء — قرار مستقل: في المقابل، برزت سلطة صنعاء كقوة أمر واقع استطاعت أن تدير مؤسساتها وتفرض حضورها دون ارتهان مباشر لقوى خارجية. ورغم الجدل حول سياساتها، فإنها تقدم نفسها كحكومة ذات قرار مستقل، ما جعلها في نظر بعض المراقبين أكثر قدرة على التعبير عن مصالح الداخل اليمني مقارنة بالحكومة التابعة في عدن.
– الموانئ والجزر — سقطرى نموذجًا: النزول العسكري الإماراتي في سقطرى عام 2018 مثّل محاولة صريحة للسيطرة على موقع بحري استراتيجي يطل على باب المندب والمحيط الهندي. الجزيرة تحولت إلى مفتاح بحري ضمن مشروع الإمارات للهيمنة على الممرات العالمية.
– المسؤولية الإنسانية والقانونية: تقارير حقوقية وثّقت انتهاكات واسعة ارتكبتها فصائل مدعومة إماراتيًا، من قتل خارج القانون إلى احتجاز تعسفي. هذه الانتهاكات تجعل الإمارات طرفًا مسؤولًا عن التدهور الإنساني وفق قواعد القانون الدولي.
ثانياً: ليبيا — حرب الوكلاء على المتوسط
دعم خليفة حفتر: منذ 2014، قدمت الإمارات دعمًا عسكريًا وماليًا واسعًا لقوات حفتر، بما في ذلك الطائرات المسيّرة ومنظومات الدفاع الجوي. تقارير أممية أكدت مشاركة الطائرات الإماراتية في قصف طرابلس ومصراتة.
المرتزقة وشركات الأمن: عبر وسطاء إماراتيين، نُقل مرتزقة من دول عدة لدعم حفتر، ما أطال أمد الحرب وزاد من تعقيد المشهد السياسي.
النفط والمرافئ: السيطرة على مرافئ النفط كانت هدفًا استراتيجيًا، إذ منحت حفتر قوة تفاوضية، وربطت الإمارات مباشرة بمسار الاقتصاد الليبي.
البعد القانوني: هذا الدعم يتعارض مع قرارات مجلس الأمن الخاصة بحظر السلاح على ليبيا، ويضع الإمارات في دائرة الاتهام الدولي.
ثالثاً: السودان — ذهبٌ وسلاحٌ وتمزيق الدولة
قوات الدعم السريع: اتهمت الخرطوم رسميًا أبوظبي عامي 2024 و2025 بإرسال أسلحة وتمويلات مباشرة لقوات الدعم السريع، ما جعل الحرب أكثر دموية، خصوصًا في دارفور.
ذهب الصراع: الإمارات تحولت إلى مركز لتجارة الذهب السوداني المهرّب، الذي أصبح مصدرًا رئيسيًا لتمويل الميليشيات. هكذا ارتبط الذهب بالسلاح في دائرة مغلقة غذّت الحرب.
المواجهة القانونية: رفعت الحكومة السودانية دعوى أمام محكمة العدل الدولية ضد الإمارات، مطالبة بوقف دعمها للمليشيات. هذه الخطوة أبرزت خطورة الدور الإماراتي في تأجيج النزاع.
رابعاً: خرائط التوسع المقبلة
سياسة أبوظبي تقوم على ثلاثة محاور: الموانئ، الموارد، والوكلاء المحليون. وبناءً على ذلك، يمكن توقع توجهها إلى:
– القرن الإفريقي: جيبوتي، الصومال، إريتريا، وبونتلاند، حيث الممرات البحرية العالمية.
– العراق: عبر بوابة البصرة والموانئ النفطية، في ظل هشاشة سياسية.
– سوريا: الساحل السوري قد يصبح منفذًا اقتصاديًا وعسكريًا بعد إعادة العلاقات مع دمشق.
– تونس: الأزمة الاقتصادية تفتح الباب لنفوذ استثماري يتحول إلى سياسي.
– موريتانيا: ثروات الذهب والحديد ومينائها الأطلسي تجعلها هدفًا مثاليًا.
خامساً: الأضرار المباشرة وغير المباشرة: تمزيق الدول عبر خلق قوى متنافسة، ارتفاع الضحايا نتيجة تسليح فصائل غير حكومية، إطالة أمد الحروب وغياب التسويات، تراجع الدولة المدنية لصالح الميليشيات، نهب الموارد الوطنية وتوجيهها للخارج.، وخلق توترات إقليمية تزيد هشاشة المنطقة.
الخاتمة:
سياسة «هندسة الفوضى» التي انتهجتها الإمارات ليست طارئة، بل مشروع ممنهج يجمع بين الاستثمار والتسليح والدبلوماسية الخشنة. من اليمن إلى ليبيا، ومن السودان إلى القرن الإفريقي، أعادت أبوظبي تشكيل ساحات الصراع عبر وكلاء محليين وتدخلات مباشرة، ما أدى إلى تصاعد العنف وتفكك الدول وإحكام السيطرة على الممرات البحرية.
الأخطر أن هذا التوجه يبدو مستمرًا، مستفيدًا من هشاشة دول عربية وأفريقية ومن غياب نظام إقليمي قادر على المواجهة. لذلك، فإن أي مشروع لإحلال السلم لا يمكن أن ينجح ما لم يُقوَّم الدور الإماراتي ويُخضع للمساءلة القانونية والسياسية.
فمن يملك خرائط الفوضى، يملك مفاتيح الدم والذهب والبحر، ما لم تُكسر هذه الخرائط بإرادة الشعوب.


