وطنٌ بنظامِ «القسمة غير العادلة» الموتُ للشعب والحياةُ لأصحاب المناصب!

وطنٌ بنظامِ «القسمة غير العادلة» الموتُ للشعب والحياةُ لأصحاب المناصب!
ينتقد النص التفاوت بين المواطن والمسؤول، حيث تُفرض التضحيات على الفقراء بينما يستأثر الأقوياء بالغنائم والحياة المترفة. يدعو إلى عدالة حقيقية تجعل الوطن لجميع أبنائه، لا للبعض فقط الامتيازات وللآخرين الواجبات....

يبدو أنّ القاعدة الثلاثية الساخرة : «الوطنية لنا… والوطن لهم ، والحربُ لنا… والغنائم لهم ، والموتُ لنا… والحياة لهم» لم تعد شعاراً شعبياً يُقال في جلسات السخط فقط ، بل أصبحت  للأسف (إطاراً اجتماعياً وسياسياً) يمكن تدريسه ضمن مادة «علم المفارقات الكبرى» فالفرق بين المواطن والمسؤول في بعض البلدان أشبه بالفرق بين من يصنع الخبز ومن يأكله؛ الأول يحترق بالنار ، والثاني يبتسم وهو يمسح الفتات عن قميصه الفاخر .

فحين يُطلب من المواطن أن يكون «”وطنياً”» ينهض فوراً من نومه ، يحمل الحقيبة ، يدفع الضرائب ، يواجه الأزمات ، ويتحمّل القرارات التي لم يشارك بصنعها ، أما حين نقول «”الوطن”» فيهرع إليه أصحاب الامتيازات كأنهم ورثةُ القارة كلّها ، يتقاسمون المناصب كما يتقاسم الأولاد قالب حلوى في عيد ميلادهم… مع فارق أنّ الأولاد عادةً يتركون قطعةً للجميع ، أما هؤلاء فلا يتركون حتى الفتات! .

وأما في الحرب (عندما تشتعل) فهي لا تقرع أبواب السياسيين ، بل تقرع أبواب الفقراء ! فالفقير هو الذي يُستدعى والذي يفقد أبناءه ، ويُدفن أحلامه مع الشهداء ، أمّا (الغنائم) فلا يعرف طريقها إلاّ كبار القوم (مناصب جديدة ، استثمارات مضاعفة ، مشاريع بمليارات ، وابتسامات مبهجة في المؤتمرات) وكأن المعركة كانت «بضاعةً» وهم “وكلاؤها الحصريون”  .

وقد قيل قديماً في مثلهم:

يُقاتِلُ قومٌ على أهلِهِمْ

ويُقسِّمُ آخرونَ الثمارا

يموتُ الفقيرُ بلا صَرخةٍ

ويُعلنُ الغنيُّ انتصارا

أما العبارة الثالثة :»  الموت لنا… والحياة لهم« فهي ليست مبالغة شعرية ، بل تعبير عن واقع تُختصر فيه حياةُ المواطن في قوائم الانتظار (ينتظر الراتب ، ينتظر الكهرباء ، ينتظر العلاج ، ينتظر الوظيفة ، ينتظر رحمة المسؤولين ، وينتظر  إن كثر عليه الهمّ) المهم أن يتذكره أحد ، بينما أولئك الذين «لهم» الحياة (المبشرون بالجنة) يعيشون حياةً مترفة لا تعرف الانتظار إلا في المطارات الأجنبية .

والطريف المبكي أنّ هؤلاء الذين يجنون الغنائم هم أول من يتحدّث عن التضحية !! تراهم يرفعون شعارات الوطنية بكثرة ، وكأن الوطنية شركة مساهمة يملكون أسهمها الأكبر ، يتحدثون عن «الوقوف مع الشعب» لكنهم يقفون عادةً خلف الزجاج “الملوّن”  من دون حرارة الشمس الحارقة  وبلا غبار و بلا ضجيج يذكر ، وبواسطة حماية لا تُواجه إلاّ المواطن الذي جاء يشكو العوز أو الفقر أو نقص الخدمات .

وحين يطالب الشعب بحقوقه ، يُقال له: (اصبروا وصابروا)  فالوطن يحتاج للتضحيات»وكأنّ الوطن شاحنة قديمة يجرّها الفقراء!! ، بينما يجلس الأغنياء على سقفها يلوّحون بالأعلام»

    وحين يحتجّ الشباب في الشوارع ، يوبّخهم البعضقائلاً :

»أين وطنيتكم؟« مع أنّ الوطنية الحقيقية لا يملكها مَن يرفع صوته ، بل مَن يرفع مستوى العدالة ويمنع القسمة الظالمة بين «موتٍ يذهب للفقير» و«حياةٍ تعود للمتسلّط»

إنّ المشكلة ليست في حبّ الوطن فالشعوب تحبه بالفطرة ، بل في أولئك الذين حولوا “حبّه” إلى (استثمار طويل الأمد) نحن نموت (قرباً منه … وهم يعيشون رغداً فوقه) نحن (نجتهد في بنائه … وهم يجتهدون في عدّ أرباحه) نحن (نرفع شعاراته… وهم يرفعون سقف امتيازاتهم).

الخاتمة:

سيبقى الوطن لنا جميعاً ، لكنّه لن يكون عادلاً ما دام (الموتُ يُوزّع علينا بالتساوي … والحياةُ تُوزّع عليهم بالتفضيل) وسيبقى السؤال الحقيقي :

متى يصبح «الوطن للجميع» وليس «للجميع واجب… وللبعض كلّ شيء»؟

وإلى ذلك الحين ، سيظل الشعار مرّ المذاق : (الوطنية لنا… والوطن لهم) (الحرب لنا… والغنائم لهم) (الموت لنا… والحياة لهم!) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *