| استفاد الشعب الصيني من الدروس التاريخية، ومن إنجازات وإخفاقات الآخرين على مر العصور. ومنذ عقود قليلة، انطلق الصينيون بعزيمة لا تلين لبناء الصين الحديثة، مطبقين كل ما استقوه من حكمة الآخرين، سواء من نجاحاتهم أو أخطائهم. وكانت ثمرة هذه المسيرة “كوكب الصين” الفريد، الذي أصبح نموذجاً لا يشبه أي نموذج آخر في العالم.
فقد أرسَت الصين نهجاً قائماً على التوازن في كل شيء: توازن بين القوة والاقتصاد، وبين الإنتاج الصناعي والزراعي، والاستثمار في العقل البشري. وسارت البلاد في مسارات متعددة ومتوازنة، سدَّت من خلالها كافة الثغرات والمنافذ التي يمكن للخصوم أن يتسللوا منها لعرقلة النهضة الصينية، ليقف العالم مندهشاً أمام إرادة شعب وعقول لم يألفها من قبل. وفي كل يوم، نرى التراجع النسبي للغرب والشرق خطوة إلى الوراء، بينما تتقدم الصين بخطوات واسعة، بل تقفز قفزات هائلة نحو الأمام وإلى المستقبل، فيما يعجز الآخرون عن اللحاق بركبها أو حتى الاقتراب من وتيرتها. لقد درس الصينيون الرأسمالية الغربية بعمق، فأدركوا قوة الاقتصاد الحر وتأثيراته، وسلبياته وإيجابياته. كما استفادوا من الدروس المريرة لانهيار الاتحاد السوفيتي، الذي راكم قوة عسكرية هائلة لكنه أغفل القوة الاقتصادية والأمن الغذائي، والأهم من ذلك كله، إهماله لاستثمار العقل البشري الذي يعد أعظم ثروة على الإطلاق. وهكذا، اتجهت الصين لخلق نظام هجين فريد، يجمع بين مرونة الرأسمالية وضوابط الاشتراكية. نظام يأخذ من الرأسمالية محركها الاقتصادي الفعال، ويتجنب سلبياتها المتعلقة بعدم المساواة. ويأخذ من الاشتراكية عدالتها الاجتماعية وحرصها على المصلحة العامة، ويتجاوز جمودها الاقتصادي. وانطلقت الصين بثورة زراعية شاملة وفق رؤية علمية بعيدة المدى، مستغلة وفرة الأيدي العاملة والمساحات الشاسعة وتنوع المناخ. كما أطلقت ثورة تعليمية نوعية، استثمرت واستفادت من العقول البشرية، التي هي أنجح استثمار في تاريخ البشرية. لتحوِّل الكثافة السكانية والعدد الهائل للسكان، الذي يراه البعض نقمة، إلى نعمة حقيقية، محولة المحنة إلى منحة. وقد نجحت الصين نجاحاً مبهراً في استثمار هذه العقول، ففي أقل من ثلاثين عاماً، تمكنت من تحويل الصين إلى “ورشة العالم” ومصنعه الكبير ومزرعته الضخمة، على مساحة تتجاوز 9.6 مليون كيلومتر مربع، هي مساحة الصين العظيمة، التي تعظم بعظمة شعبها، وبتفان وإخلاص ووطنية أبنائها. ولم يقتصر التفوق والتوازن الصيني على مجالات الاقتصاد والزراعة والصناعة والقوة العسكرية فحسب، بل شمل أيضاً السياسة الخارجية والعلاقات الدولية. فالصين تقدم لحلفائها الدعم الاقتصادي وتساعدهم في بناء البنى التحتية وتزويدهم بالمعدات، لكنها تتجنب الدخول في تحالفات عسكرية عدائية أو الانغماس في نزاعات مسلحة، لأنها تدرك أن الحروب هي آفة تفتك بالشعوب والدول، ومستنقع يستنزف الطاقات البشرية والاقتصادية والفكرية، ويقضي على مكتسبات التنمية، ويصعب الخروج منه. لكن هذا لا يعني أن الصين أهملت الجانب العسكري، بل سارت بتوازن دقيق كي لا يستنزف الإنفاق العسكري الاقتصاد، وهي حريصة على أن تكون قوتها العسكرية قوة للردع والحفاظ على الأمن القومي، وليس لأغراض العدوان أو خوض الصراعات. لقد تعلّم الصينيون من التاريخ أن القوة الاقتصادية هي العمود الفقري للأمم، وهي أقوى أحياناً من القوة العسكرية المباشرة، فبالاقتصاد يمكن شراء التأثير والتقنية، فيما قد تفشل القوة العسكرية وحدها في بناء اقتصاد مزدهر أو تحقيق الرخاء للمواطنين أو إشباع حاجاتهم. |


