الفساد والمحاصصة… وجهان لعملة واحدة في سوق الازدواجية العراقية

الفساد والمحاصصة... وجهان لعملة واحدة في سوق الازدواجية العراقية
أصبح الفساد والمحاصصة في العراق ثقافةً اجتماعيةً مغلّفة بالنفاق، يُدينها الجميع ويمارسونها في الواقع، مما أدى إلى أزمة وعيٍ جمعي ودوران الدولة في حلقةٍ مفرغة من الشعارات والانقسامات....
في العراق، ثمة ظاهرتان يلعنهما الجميع ليل نهار، لكنهم في الوقت ذاته يمارسونهما بإتقان منقطع النظير: الفساد والمحاصصة. لا يخلو حديث سياسي أو شعبي من التنديد بهما، وكأنهما وباء غريب هبط من السماء، لا صلة للعراقيين به، غير أن الواقع يكشف العكس تمامًا.

الكل يرفض الفساد قولًا، ويمارسه فعلًا، بشكل مباشر أو غير مباشر. يتحدثون عن النزاهة والإصلاح بينما تتآكل القيم في دهاليز الصفقات والمنافع الشخصية. وفي المقابل، ترفع الأصوات ذاتها رايات الرفض للمحاصصة، متهمة إياها بأنها أصل الفشل والشلل الذي أصاب مؤسسات الدولة، لكنّهم  — يقاتلون بضراوة من أجل حصصهم فيها، كما لو كانت مسألة حياة أو موت.

المحافظات تريد حصصها،

الكيانات تطالب بحصصها،

القوميات تتمسك بحصصها،

المذاهب والأديان تصرّ على حصصها،

بل حتى البيوت والعوائل السياسية أصبحت تطالب بنصيبها وكأنها ورثت الدولة.

أمام هذا المشهد، يبدو أننا لا نعيش أزمة سياسية بقدر ما نعيش أزمة وعي جمعي. إنها ظاهرة يمكن تسميتها بـ “تسذيج العقول والضحك عليها” — حين يرفض الجميع شيئًا ويمارسونه معًا، وكأننا أمام مسرحية جماعية، يتقن فيها الممثلون أدوارهم لكنهم يجهلون أن الجمهور بات يرى الحقيقة بوضوح.

الفساد والمحاصصة لم يعودا مجرد سلوك سياسي أو إداري، بل تحوّلا إلى ثقافة اجتماعية تُغلف بالنفاق، وتُسوّق بشعارات الإصلاح. وما لم نواجه هذه الازدواجية بصدق، فستظل الدولة تدور في حلقة مفرغة من الشعارات التي لا تنتج سوى مزيد من الانقسام والتراجع.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *