كيف تُقلِع طائرة كرواتيا… ولا تقلع ميزانية العراق؟

كيف تُقلِع طائرة كرواتيا… ولا تقلع ميزانية العراق؟
يعرض التحليل مفارقة بين بساطة الحكم في كرواتيا وإسراف السلطة في العراق، كاشفاً أزمة الإدارة والفساد وتضخّم النفقات، ومؤكداً ضرورة الإصلاح عبر خفض التكاليف، واعتماد الحكومة الإلكترونية، وتنويع الاقتصاد لتحقيق الإقلاع الحقيقي....
   في مكانٍ بعيد على متن طائرة اقتصادية  جلست رئيسة كرواتيا السابقة (كوليندا غرابار كيتاروفيتش) تتشارك المقعد مع أحد المواطنين ، فلا ضوء الكشافات ، ولا السجاد الأحمر ، ولا مسؤولٌ يفتح باب الطائرة وكأنه يفتح باب الجنّة .

وفي المقابل كان هنالك مسؤول عراقي ما يزال يبحث عن طائرة رئاسية بمواصفاتِ فندق خمس نجوم!! على ارتفاع (40 ألف قدم) لأن المقعد العادي كما يقول (يؤثر على تركيزه وهو يفكر بمستقبل الشعب والوطن!).

في كرواتيا الرئيسة (باعت الطائرة الرئاسية) بينما في بلدي المسؤول (يشتري طائرةً، ثم يشتري طائرةً احتياطية للطوارئ… ثم طائرة ثالثة لحالات الطوارئ التي تصيب طائرة الطوارئ الأولى)

وفي كرواتيا باعت الرئيسة (35 سيارة مرسيدس فاخرة) كان يستغلها الوزراء وبعض المسؤولين وأعادت ثمنها لخزينة الدولة.

وفي بلدي رغم الحالة الاقتصادية البائسة التي يمر بها البلد اشترت الحكومة المئات من السيارات الفارهة خلال القمة العربية وما بعدها، وكل سيارة حكومية لها سائق ، وحماية ، وحماية للحماية ، و(حقوق نفطية) للوقود غير المحدود ، ولا تنسَ الصيانة الأسبوعية المدفوعة مسبقاً ، إضافةً إلى أن الوزير يغيّر السيارة والمكتب كلما تغيّر مزاجه .

الرئيسة الكرواتية خفضت راتبها بنسبة (30% ) ليصبح راتبها  كـراتب مواطن متوسط الدخل .

  أما عندنا ، فالمسؤول العراقي يرفع راتبه ثم يصيح بوجه الشعب :

(هذي مو امتيازات… بل هذي حقوق).

كرواتيا أغلقت السفارات غير الضرورية لتقليل الإنفاق العام .

أما في بلدي فلدينا (90 سفارة حول العالم ، عدا القنصليات) ، منها سفارات في دولٍ قد لا يعرف المواطن العراقي موقعها على الخريطة ، ولا تربطنا معها تجارة ، ولا يوجد فيها جالية عراقية ، وأحياناً لا يوجد فيها إنترنت جيد هههه… ولكن يوجد (سفير ومعاون سفير وسكرتير أول وحفلات استقبال وصور جماعية عند قص شريط لندوة لا يحضرها أحد) .

إن تكلفة السفارة الواحدة سنوياً ما بين (2 إلى 6 ملايين دولار)

اضرب الرقم (× 90 سفارة) تحصل على ما يكفي لبناء (10 مستشفيات أو 20 مدرسة أو 2000 فرصة عمل للشباب).

لكنك بدلاً من ذلك تحصل على :(قص شريط وحفلة استقبال فيها كيكة عليها علم العراق!)

الرئيسة الكرواتية رفضت الاقتراض من البنك الدولي وقالت : ((لن نقترض للبقاء ، بل سنقترض فقط للبناء)) .

أما في العراق فنقترض للبقاء … ثم نقترض لتسديد القروض… ثم نقترض لتغطية فوائد القروض… وفي النهاية نكتشف أننا نقترض لنموّل حفل توقيع القرض ! وكما يقول المثل الشعبي (اسد الديّن بالديّن.. واداين اردود) .

الفساد في كرواتيا تمت ملاحقته بكل جدية ، أما في بلدي ، فنحن مازلنا نحارب الفساد عن طريق (لجنة لمكافحة الفساد) تعيّن أشخاصاً متهمين بالفساد لمراقبة الفساد ، ثم يختفي الفاسدون ، وتختفي الأموال ، ولا يبقى إلا الشعار (وسرقة القرن خير شاهدٍ على ما يحدث) .

وليس هذا فقط ، بل إن بعض منظّري السياسة عندنا مقتنعون بوجود (شرق أوسط جديد) يُقصّ ويُلصق مثل خريطة مدرسة ، وتُعاد فيه الدول إلى مقاسات صغيرة تناسب الجرف الجيوسياسي ، دول رفعت صوتها تم تفتيتها ، ودول أخرى جاملت واستقرت ، ودول وقّعت اتفاقيات ونامت… فازدهرت .

بينما العراق منذ 20 سنة وهو في مرحلة:

(سنعلن مرحلة الإقلاع قريباً … انتظروا بعد تشكيل الحكومة)

والشعب ينتظر الإقلاع… لكنه يسمع دائماً:(الدوام تأجّل… لعدم وجود طيار)

الآن ما العمل ؟

من وجهة نظري القاصرة المشكلة ليست في الإيرادات ، فالعراق خلال سنوات عديدة تجاوزت إيراداته النفطية (100  مليار دولار سنوياً) المشكلة في (ثقافة إدارة الدولة والإرادة الحقيقية) لا في المال .

وعليه فإن الحلول الاستراتيجية للخروج من الأزمة الاقتصادية تتلخص في الخطوات التالية:

1.- سحب (60% من البعثات الدبلوماسية غير المنتجة) التي لا يوجد فيها جالية؟ لا تجارة؟ لا مصلحة ؟ إذن لا سفارة ، توفير سنوي متوقع ما يقارب ( 150–200 مليون دولار) دون أن يشعر الشعب بنقص في الأوكسجين السياسي .

2.- تقليص التكاليف التشغيلية الفارهة : بيع السيارات الحكومية الفارهة ، تحويل السفر الرسمي إلى الدرجة الاقتصادية ، وإلغاء (بدل الإيفاد).

3.- الانتقال إلى دولة منتجة لا مستهلكة: دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة بدلاً من تضخيم الرواتب الحكومية ، لأن الراتب لا يبني اقتصاداً، بل المشروع الاقتصادي يبنيه .

4.- التحول إلى الحكومة الإلكترونية : الفساد يعشق الورق والختم والتواقيع ،

الأتمتة تقصّ أجنحته .

5.- تنويع مصادر الدخل خلال 15 سنة : بخطط واضحة للقطاعات التالية : (الزراعة ، السياحة ، الصناعة البتروكيمياوية ، الطاقة المتجددة ، والصناعات التحويلية ).

باختصار شديد :

لا نحتاج رئيسة كرواتيا ، بل نحتاج عقلية كرواتيا ،

لا نحتاج بيع الطائرة ، بل نحتاج لبيع الوهم .

الدول تنهض عندما يقرر أحدهم أن (الكرسي لخدمة الشعب… لا لخدمة المؤخرة السياسية الجالسة عليه).

“في بلادٍ تزهو بالفساد

والكذبُ يلبسُ ثوبَ الحقيقة

والحقُ يُقتلُ في كلِ ناد

والظلمُ يرفعُ رايةً خضراء

في بلادٍ تُباعُ فيها الأماني

وتُشترى فيها الذممُ الرخيصة

والشعبُ يغني أغنيةَ الهوان

والحاكمُ يضحكُ في كلِ مجلس

في بلادٍ تُقتلُ فيها الأحلام

وتُباعُ فيها الأوطان

والشعبُ يبحثُ عن سراب

والحاكمُ يبني قصوراً من ذهب”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *