أفرزت نتائج الانتخابات الأخيرة مؤشرات واضحة تستحق الانتباه والتحليل المتأنّي. ليست مجرد أرقام على صحيفة؛ بل تخبرنا عن تحولات اجتماعية وسياسية قد تشكّل خارطة الطريق القادمة. يمكن استنتاج ثلاثة مؤشرات إيجابية أساسية من قراءة مبدئية لهذه النتائج، ولكنّها تأتي مصحوبة بتحديات جوهرية تتطلّب استراتيجية مزدوجة — سياسية وثقافية — من قِبَل القوى المدنية.
أولًا — دلائل الانحراف عن الطائفيةأهم مؤشر إيجابي هو أن جمهورًا واسعًا بدأ يلتفّ حول خطاب يتجاوز الانقسام الطائفي. هذا انسحاب من مركزية الطائفية في الخطاب السياسي لا يتحقق بين ليلة وضحاها، لكنه مؤشر لأن أولوية المواطن تتجه نحو خدمات أفضل وحياة يومية أكثر استقرارًا بدلاً من ولاءات فئوية ثابتة. هذا لا يعني أن الطائفية اختفت؛ لكنه يشير إلى تآكل هيمنتها كمعيار وحيد للتصويت. ثانيًا — معاقبة الانتهازية السياسيةالناخبون أظهروا قدرة على محاسبة العناصر الانتهازية التي استغلت موجات الاحتجاج أو الانشغال السياسي لتحصيل مكاسب شخصية. هذا عنصر صحيّ في أي ديمقراطية ناشئة: جمهور قادر على تمييز مصداقية الفعل السياسي من منفعة الحظوظ الآنية. ومع ذلك، فهذه المحاسبة ليست نهائية — إنها مرحلة اختبار يجب أن تترافق مع مؤسسات قوية تضمن المساءلة المستمرة. ثالثًا — إعادة تعريف تحالفات القوى السياسية الشيعيةانكشاف محدودية الأرقام والاتحاد عند بعض الخصوم أدى إلى إعادة توجيه أصوات مهمة لصالح مرشح وسيط مثل السوداني. هذه التحولات تُظهر أن المشهد الشيعي ليس كتلة متجانسة، وأن القدرة على تحويل جزء من الناخبين ممكنة عبر خطاب عملي وبراغماتي. واقع جديد: براغماتية داخلية وراعاتها الخارجيةالمرحلة القادمة يبدو أنّها ستُوصف بشعار “البراغماتية” داخليًا، مع تأثر واضح من دور الولايات المتحدة وحلفائها خارجيًا. هذا التحوّل قد يكون مفيدًا إذا صحبه تقوية مؤسسات الدولة وإصلاحات إدارية واقتصادية حقيقية. لكنه قد يتحوّل إلى مأزق إذا اكتفى المنتخبون بسياسات ترقيعية تخدم مصالح خارجية أو فئوية دون بناء قاعدة وطنية مستقلة ومستدامة. أين تقف المدنية؟ السياسي مقابل الثقافيالمدنية ليست مجرد خيار تكتيكي — ليست فن الممكن السياسي فحسب — بل هي نتاج عملية تنويرية ثقافية طويلة. السياسيون المدنيون مدعوون اليوم إلى مهمتين متوازيتين: 1. التوحيد السياسي: ضرورة تشكيل جبهة مدنية موحّدة استنادًا إلى منصات واضحة (حوكمة، حكم رشيد، محاسبة، خدمات عامة)، لا على شعارات عامة متعدّدة الوجوه. الوحدة هنا ليست صفقة مصالح قصيرة المدى، بل اتفاق على قواعد لعبة ديمقراطية: آليات اختيار مرشحين مشتركة، سياسات تفاوضية واضحة، وبرنامج إصلاحي قابل للقياس. 2. التنوير الثقافي: مهمة البناء الثقافي لا تقل أهمية عن مهمة الفوز بالمقاعد. المدنية تتطلب جمهورًا يقرأ، يحلل، ويصوّت بناءً على قناعات، لا على خطابات شعبوية أو طاعة رمزية. هذا يتطلب مدارس، مناهج إعلامية، برامج توعية مجتمعية، ومشروعات ثقافية تربط المفاهيم المدنية بالحياة اليومية للمواطنين. الشراكة الاستراتيجية مع التيارات الشعبية: ضرورة وليس امتيازًاعلى المدنيين أن يفهموا أن التعاون مع قوى شعبوية مثل التيار الصدري ليس خيانة للمبدأ، بل ضرورة عملية لإنشاء معارضة ناضجة وقابلة للعب دور رقابي فعلي. هذه الشراكات يجب أن تُبنى على قواعد واضحة: حماية المؤسسات، رفض العنف، دعم إصلاحات ملموسة، وفتح قنوات للحوار الثقافي لتحويل قاعدة التيار من ثقافة طاعة شعبوية إلى ثقافة نقدية فردية ومواطنية. توصيات عملية قصيرة ومتوسطة الأمد:– إطار مشترك للانتخابات المقبلة: منصة مدنية واحدة تشمل ميثاق أخلاقي وسياسات واضحة حول الشفافية والحوكمة. – برنامج توعوي ووسائلي: مبادرات إعلامية ومحاضرات مجتمعية تشرح الفرق بين الديمقراطية والشعبوية، وتروّج لممارسات نقدية بناءة. – بناء مؤسسات محاسبة مدنية: دعم منظمات مجتمع مدني ومراكز دراسات لرصد أداء المنتخبين ونشر تقارير دورية مفهومة للجمهور. – تحالفات تكتيكية منظمة: اتفاقات واضحة مع التيارات الشعبية على خطوط العمل والمكاسب المتبادلة مع آليات لفض النزاعات. – تعزيز التعليم المدني في المدارس: إدخال مناهج ومشروعات مدرسية (تربية) على التفكير النقدي والمواطنة. النتائج الانتخابية الأخيرة تمنح فرصة ثمينة، لكنها ليست إنجازًا نهائيًا. على القوى المدنية أن تترجم هذه المؤشرات الإيجابية إلى مشروع مستدام عبر استثمارها سياسياً وتنويرياً في الوقت نفسه. السياسة دون ثقافة تُنتج زعاماتٍ قابلة للانفجار، والثقافة دون سياسة تبقى رفاهية متناثرة. الطريق إلى مدنية ناضجة في العراق يمرُّ عبر تلاقي العمل السياسي المنظم مع مشروع ثقافي طويل النفس — وهذا هو التحدّي الحقيقي أمامنا اليوم. |


