حين تتحول الأرض إلى اقتصاد، والمصانع إلى سيادة وطنية
في خضمّ المشهد الاقتصادي المضطرب، وبين ضجيج الأزمات السياسية وتقلّبات الأسواق، يغيب عن كثير من صُنّاع القرار جوهر التنمية الحقيقي:
أن النهضة لا تُستورد، والسيادة لا تُمنح، والاقتصاد لا يقوم على الريع المؤقت، بل على الإنتاج الدائم.
إن الحكومة القادمة — إن أرادت أن تكتب اسمها في صفحات التاريخ — فعليها أن تبدأ من حيث تُبنى الأوطان: من الأرض والمصنع.
في كل مرحلة مفصلية من تاريخ الأمم، تتجلى لحظة الإدراك بأن البناء الحقيقي لا يقوم على الشعارات، ولا على الخطابات، بل على القدرة في تحويل الموارد إلى طاقة إنتاجية حقيقية.
ولعل العراق اليوم يقف أمام واحدة من أهم تلك اللحظات، حيث باتت الحاجة ملحّة لإطلاق مشاريع استراتيجية كبرى في قطاعات الزراعة، والثروة الحيوانية، والصناعة المستدامة، لتكون هي القاعدة الجديدة للاقتصاد الوطني.
إن الزراعة والثروة الحيوانية ليستا مجرد نشاطين اقتصاديين، بل هما ركيزتان للأمن القومي والغذائي.
العراق يمتلك واحدة من أغنى الأراضي وأكثرها خصوبة في المنطقة، ولديه ما يكفي من المياه والخبرة الزراعية لتغطية احتياجاته الأساسية من الغذاء.
إلا أن سوء التخطيط وتراجع الاهتمام الرسمي خلال العقود الماضية جعلا هذا القطاع الحيوي رهينة الإهمال والاستيراد العشوائي.
ولذلك، فإن إطلاق مبادرة وطنية للزراعة والثروة الحيوانية يجب أن تكون ضمن أولويات الحكومة القادمة، على أن تشمل:
- دعم الفلاحين وتوفير البذور والأسمدة بأسعار مدعومة.
- إعادة تأهيل مشاريع الري الكبرى وتوسيعها.
- فتح قنوات تصدير للمنتجات المحلية وتشجيع المنتج الوطني.
- دعم تربية المواشي والدواجن والأسماك لتحقيق الاكتفاء الذاتي.
أما في الجانب الصناعي، فإن الصناعة المستدامة هي العنوان الأوسع لعصر اقتصادي جديد.
إعادة تشغيل المصانع المتوقفة وتطويرها لا تعني فقط تشغيل الأيدي العاملة، بل تعني بناء منظومة إنتاجية وطنية متكاملة قادرة على تقليل الاستيراد ورفع مستوى الاكتفاء الذاتي، مع مراعاة معايير البيئة والطاقة النظيفة.
فالصناعة المستدامة ليست رفاهية، بل ضرورة وطنية واقتصادية وبيئية تضع العراق على مسار الدول التي تبني اقتصادها على التوازن بين النمو وحماية البيئة.
ومن المهم أن تُدرج هذه المشاريع ضمن الاتفاقية العراقية – الصينية، التي تمثل فرصة استراتيجية لتبادل التكنولوجيا والخبرة في مجالات الزراعة الحديثة، والصناعات التحويلية، والطاقة المتجددة.
فالشركات الصينية تملك القدرة على تحويل طريق التنمية من مشروع افتراضي على الورق إلى واقع ملموس على الأرض، إذا ما أُحسن التفاوض والتخطيط والإدارة.
اليوم، لم يعد أمام العراق ترف الوقت ولا هامش التجريب.
فكل تأخير في التحول نحو اقتصاد إنتاجي يعني مزيداً من التبعية والبطالة والتضخم، بينما الاستثمار في الزراعة والصناعة المستدامة هو استثمار في الإنسان، والبيئة، والسيادة الاقتصادية معاً.
كلمة تحفيزية: من الأرض تبدأ النهضة
إن نهضة العراق لن تأتي من الخارج، ولن يصنعها النفط وحده، بل ستولد من رحم الأرض العراقية، ومن المصانع التي تنتج وتبتكر، ومن الأيادي التي تزرع وتصنع وتبني.
إنها لحظة القرار الحقيقي:
إما أن نزرع لننهض… أو نظل نستهلك حتى نختنق.
العراق لا يحتاج معجزات، بل إرادة سياسية ترتّب الأولويات وتؤمن بأن التنمية تبدأ من الأرض… وتنتهي بالكرامة.
نداء إلى الحكومة القادمة
يا من ستتسلمون مسؤولية العراق في المرحلة المقبلة،
إن التاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى، والفرص لا تتكرر.
ضعوا أيديكم على ملف الزراعة والصناعة المستدامة قبل أي شيء، فهما المفتاحان الحقيقيان لاقتصاد متوازن، ولأمن وطني لا يهتز مع الأزمات.
لا تُكرروا أخطاء من قبلكم حين جعلوا التنمية شعارًا إعلاميًا بدل أن تكون مشروعًا وطنيًا واقعيًا.
إن العراق اليوم لا يحتاج إلى وعود… بل إلى قرار شجاع يعيد للأرض عافيتها وللإنسان كرامته.


