| في كل مرة يُبحر فيها الصياد العراقي نحو رزقه يحمل على كتفه شبكة صيدٍ ، وعلى قلبه ألف قلقٍ ، البحر الذي كان يوماً صديقاً يتحول بين ليلة وضحاها إلى مسرح للإهانة ، والحدود المائية التي يفترض أن تفصل الدول ، صارت تفصل بين الكرامة والمهانة ، لا أحد يعلم كيف صار البحر العراقي بلا سيادة ، وكيف أصبح صيد السمك مغامرةً تُكلف البعض كرامتهم ، وأحياناً حريتهم ، وربما حياتهم .
منذ سنوات تتكرر حوادث التجاوز على الصيادين العراقيين من قبل خفر السواحل الكويتية ، حادثةٌ تلو أخرى والبيانات الرسمية تعِد بالتحقيق و”متابعة الموضوع” حتى صار الصيادون يحفظون جمل التطمين أكثر من أناشيد البحر ، ففي عام (2021) مثلاً اعتُقل ستة عشر صياداً عراقياً في خور عبدالله بعد أن دخلوا المياه المشتركة بخطأٍ بسيط ، ومنذ ذلك الوقت لم تهدأ الأمواج ، بل زادت مرارتها . وفي الأسبوع الماضي تكررت المأساة نفسها حين اعترضت زوارق كويتية عدداً من الصيادين العراقيين المسالمين ، أصغرهم في الخامسة والخمسين ، وأكبرهم شيخٌ تجاوز منتصف الثمانين ، كأن البحر صار لا يرحم لا صغاراً ولا شيوخاً . المؤلم أن هذه الحوادث لا تُقابل إلا بالصمت ، لا صمت البحر هذه المرة ، بل صمت الحكومة التي يبدو أنها فقدت بوصلة الإحساس ، فبينما يسيّر الصياد الكويتي والإيراني زوارقه في مياهنا الإقليمية دون أن يعترضه أحد ، يُعامل الصياد العراقي وكأنه متسلل إلى بيته ، أي مفارقةٍ هذه ؟ وأي كرامةٍ تبقى لوطنٍ يُهان أبناؤه في حدوده المائية دون أن تتحرك فيه موجة واحدة من الغيرة الرسمية ؟ يقول بعض الصيادين إنهم يطلقون نداءات استغاثة عبر أجهزة اللاسلكي المثبتة في زوارقهم ، لكن لا أحد يجيب ، هل الخلل في الأجهزة ؟ أم في آذانٍ حكوميةٍ أصابها الصدأ من كثرة النداءات ؟ البحر يسمعهم ، الموج يردّد صرخاتهم ، لكن قواتنا البحرية لا تستجيب ، ربما لأنها مشغولة بإجراءات “التحقق من الإحداثيات” أو لأن “الموضوع قيد المتابعة” كما هي العادة ، وفيما يكتبون التقارير ، يُسحب الصياد من قاربه ، ويُضرب كرامته قبل أن تُصادر معداته. السيادةالحقيقة المؤلمة أن السيادة ليست شعاراً يُرفع في المؤتمرات ، بل ممارسات يومية تثبتها الأفعال ، كيف يمكن لدولةٍ تطل على الخليج أن تعجز عن حماية أبسط فئةٍ فيه ؟ هؤلاء الصيادون ليسوا مغامرين سياسيين ، ولا متجاوزين متعمدين ، بل أبناء البحر الذين ورثوه كما ورثوا لهجتهم ومواويلهم ، أحدهم قال ذات مرة: (إحنا مو ضد أحد ، بس نريد نعيش من بحرنا) وهي جملة تختصر وجع وطنٍ بكامله . خطوات لمعالجة الاهاناتإن معالجة هذه الإهانات لا تكون ببيانات الاستنكار وحدها ، بل بخطواتٍ واقعية من جهتين:الأولى (دبلوماسية) عبر مفاتحة السفارة الكويتية في بغداد وتسليمها مذكرة احتجاجٍ رسمية تعبّر عن عدم رضا العراق لما يجري في المياه المشتركة ، يجب أن يُبلَّغ الطرف الكويتي بأن للعراق كرامة بحرية لا تقل عن أي دولةٍ أخرى ، وأن حماية المواطنين في المياه الإقليمية مسؤولية سيادية لا تحتمل المجاملة . والثانية (أمنية ميدانية) تتمثل في إصدار أوامر واضحة للقوات البحرية بتسيير دورياتٍ منتظمة داخل المياه الإقليمية ، لا لأغراض الاستعراض ، بل لحماية الصيادين فعلاً ، من غير المعقول أن تبقى مياهنا مرتعاً للزوارق الأجنبية بينما الصياد العراقي يعيش فيها كضيفٍ ثقيل الظل . في كل دول العالم هناك أنظمة مراقبة واتصالٍ بين الزوارق البحرية وأجهزة الدولة ، تتابع تحركاتهم وتستجيب لنداءات الطوارئ فوراً ، في العراق لدينا الأجهزة ذاتها ، لكن يبدو أن الاتصال ينقطع عند حدود الإهمال . كأنّ النداء يضيع بين أمواج البحر وأمواج البيروقراطية ، الصياد يصرخ (هلو.. إحنا نغرق!) والرد يأتي من بعيد (حالياً الخط مشغول ، حاول لاحقاً)!! يا جماعة الخير ، البحر لا ينتظر أحداً ، والكرامة حين تُغرق لا تُستعاد بسهولة . الحلول ليست معقدة كما يتصور البعض ، فقط نحتاج إلى إرادة لو تم تفعيل مركز مراقبة بحري مشترك بين وزارة النقل والدفاع ، وتزويد الصيادين بأجهزة تحديد مواقع متصلة مباشرة بالقيادة البحرية ، لأمكن تفادي كثير من تلك الحوادث ، كما يمكن إنشاء لجنة (عراقية – كويتية) دائمة لمراجعة إجراءات الاعتقال ، بحيث لا يُعامل الصياد العراقي كمتهم قبل أن يُستمع إليه . أما إن بقي الحال كما هو فسيبقى (خور عبدالله) رمزاً لبحرٍ يأكل أبناءه ، وتبقى الكرامة العراقية عالقة بين موجٍ وموج ، فهل ننتظر أن يُهينوا شيخاً في التسعين حتى نستيقظ ؟ أم ننتظر أن يخرج البحر عن صمته ليصرخ بدلاً عنّا ؟ أيها السادة في الحكومة إن الكرامة لا تُقاس بمساحة المياه ولا بعدد الزوارق ، بل بمدى قدرتكم على حماية من يعيش في ظل علمكم ، الصياد العراقي لا يطلب معجزة ، كل ما يريده أن يعود إلى بيته بسلام ، بشباكه الممزقة وسنارة الصيد البسيطة ولكن بكرامته سليمة ، إن لم يتحرك الضمير الرسمي الآن ، فسيكتب التاريخ يوماً : (في العراق ، حتى البحر صار يغدر بأهله) وهنا في لحظة تأملٍ بين الغروب والموج ، يبدو السؤال كبيراً وموجعاً : هل نملك البحر فعلاً… أم أننا مجرد ضيوفٍ على مياهه ؟ الجواب : للأسف يطفو أمامنا كل يوم على سطح الماء ، ومعه كرامةٌ غارقة تنتظر من ينتشلها . |


