البيئة ليست شيئاً يمكننا أن نرثه ، بل شيئاً نقترضه من أبنائناتبدأ الحكاية دائماً بورقةٍ خضراء تنمو على ضفة نهرٍ كان يوماً ما رمزاً للخصب والعطاء ، ثم تبدأ تلك الورقة بالذبول شيئاً فشيئاً ، كما تذبل الأرض حين تُرهقها الأيادي الجشعة ، وكأن الطبيعة نفسها تتنفس بصعوبة في عالمٍ لم يعد يعرف معنى التوازن ، لقد أكل الإنسان من جسد الأرض أكثر مما أعطاها ، وها هو اليوم يقف أمام مرآة الخراب التي صنعها بيديه . لقد صار التلوث البيئي الوجه الآخر للحضارة الحديثة ، تلك التي تتغنى بالتقدم الصناعي بينما تخنق الهواء والماء والتربة في الوقت ذاته ، فكل برميل نفط يُنتَج ، وكل عادم سيارةٍ ينفث دخانه في السماء ، وكل نهرٍ تُلقى فيه نفايات المصانع ، هو جرحٌ جديد في جسد الكوكب ، العالم اليوم ينتج أكثر من (37 مليار طن من غازات الاحتباس الحراري سنوياً) ونحو (90% من سكان الأرض يتنفسون هواءً ملوثًا) يفوق معايير منظمة الصحة العالمية ، هذه ليست مجرد أرقام ، بل صرخات مكتومة في صدر الأرض . أما في العراق فالمأساة تأخذ لون الطين اليابس ورائحة المياه المالحة ، كان دجلة والفرات شريانين للحياة ، فإذا بهما يتحولان إلى مجرىً للأنين والجفاف ، تشير تقارير بيئية حديثة إلى أن (مستوى المياه في نهر دجلة انخفض بأكثر من 60% خلال العقد الأخير) بينما تقلصت مساحة الأراضي الزراعية الخصبة في وسط وجنوب العراق بما يقارب (نصف مليون دونم) لم يعد الماء صافياً كما كان ، بل أصبح مزيجاً من مياه الصرف الصناعي والزراعي والمياه الثقيلة التي تُرمى فيه دون معالجةٍ كافية . في مدينة البصرة المأساة أوضح من أي مكانٍ آخر ، هناك حيث يلتقي دجلة بالفرات في شط العرب ، كانت المدينة ذات يومٍ جنةً للنخيل والماء والسمك ، أما اليوم فقد تحولت أنهارها الفرعية البالغ عددها (647 نهراً) إلى مجارٍ ملوثةٍ بالمياه الثقيلة ، تختلط فيها مياه الصرف الصحي بمياه الشرب والسقي ، تلوث شط العرب ازداد إلى درجة أن (نسبة الملوحة فيه تجاوزت 4000 جزء في المليون في بعض الفصول) ما جعل الزراعة تموت واحدةً تلو الأخرى ، والنخيل ينحني عطشاً على ضفافٍ كانت خضراء بالأمس القريب . إن البيئة العراقية تنزف في صمت تُستنزف مواردها الطبيعية كما يُستنزف الجسد في مرضٍ طويلٍ بلا دواء ، فبينما تتضاعف معدلات الإنتاج النفطي وتتصاعد أدخنة المصانع ، يزداد الهواء اختناقاً ، وتعلو نسب غازات (ثاني أوكسيد الكبريت وأوكسيدات النيتروجين والجسيمات العالقة) إلى مستوياتٍ تفوق المعدلات المسموح بها بأضعاف ، تشير التقديرات إلى أن (التلوث الهوائي في بغداد والبصرة يسبب وفاة نحو 12 ألف شخص سنوياً) بسبب أمراضٍ تنفسيةٍ وسرطانيةٍ مرتبطة مباشرةً بتلوث الهواء ، ورغم خطورة ذلك ، فإن المساحات الخضراء تتراجع بنسبة (3% سنوياً) في المدن الكبرى ، فيما تتزايد مساحات الإسمنت والحرارة والضجيج . لقد استهلك الإنسان العراقي بيئته كما يستهلك شمعةً في ليلٍ طويل دون أن يدرك أن الضوء سيتلاشى في النهاية ، فالموارد الطبيعية ليست بلا نهاية ، والماء ليس أبدياً كما يُظن ، والنفط الذي يجلب المال اليوم هو ذاته الذي يجلب التلوث والمرض غدًا ، عندما تُقطع آخر شجرةٍ في الأهوار الجنوبية ، وحين يُصاد آخر سمكٍ في شط العرب ، وحين تُلوث آخر قطرةٍ من دجلة ، لن تكون هناك مصانع قادرة على شراء الحياة ، ولن يكون للثروة النفطية معنى أمام هواءٍ سامٍ وماءٍ مالحٍ لا يُشرب . لقد بلغت الأرض مرحلة الإنهاك ، وصار النهر يختنق من فرط ما أُلقي فيه من نفاياتٍ ومخلفاتٍ كيميائية ، حتى الأسماك التي كانت تُشكل مصدر رزقٍ لآلاف العوائل ، هلكت بفعل الملوثات العضوية والمعادن الثقيلة ، في عام (2018) مثلاً شهدت البصرة كارثة بيئية تسببت في (نفوق ملايين الأسماك) في أقل من أسبوع ، بسبب ارتفاع درجات الحرارة وتلوث المياه وقلة الأوكسجين الذائب ، لم تكن تلك مجرد أزمةٍ بيئية ، بل كانت علامة على أن النظم البيئية في العراق بدأت تفقد قدرتها على التجدد . يحدث كل ذلك في ظل غيابٍ واضحٍ للتخطيط البيئي ، وضعف في التشريعات الرادعة ، وتداخل الصلاحيات بين المؤسسات ، فالمعالجة الجزئية للمياه الثقيلة لا تكفي ، والمراقبة البيئية تحتاج إلى أجهزةٍ حديثة وتمويلٍ مستدامٍ وإرادةٍ سياسيةٍ حقيقية ، إن المشكلة ليست فقط في التلوث ، بل في (اللامبالاة المزمنة) التي تُحيط به ؛ فحين يُلقى الصرف الصحي في الأنهار ، ويُحرق الغاز في الحقول ، وتُهمل الأراضي الزراعية ، فإننا لا ندمّر البيئة فحسب ، بل نكتب شهادة وفاتنا الجماعية على مهل . ربما لم يعد في المشهد ما يدعو إلى الأمل فالعراق ، الذي كان مهد الحضارات الأولى على ضفاف الماء ، صار اليوم يواجه خطر العطش البيئي والموت الصامت للنظام الإيكولوجي ، تراجعت الأهوار التي كانت تُعدّ من أعاجيب العالم الطبيعي بنسبةٍ تجاوزت (70%) وتحولت مساحاتها إلى أرضٍ قاحلةٍ متشققة ، وحتى الطيور المهاجرة التي كانت تحط فيها كل شتاءٍ ، هجرت المكان إلى الأبد . ومع ذلك لا تزال هناك فرصة ، فالأرض كالأمّ ، مهما أُنهكت ، فإنها قادرة على العطاء إن هي وجدت من يرعاها ، الإصلاح البيئي ليس حلماً بعيداً ، بل خياراً ممكناً يبدأ من الوعي والتعليم والسلوك الفردي قبل أن يكون سياسةً حكومية ، يمكن للعراق أن يستعيد توازنه البيئي لو أُعيد النظر في أساليب إدارة المياه والنفايات ، ولو فُعّلت محطات المعالجة ، وزُرعت الأحزمة الخضراء حول المدن ، وتمت حماية الأهوار والمسطحات المائية من التلوث والإهمال . لقد علمتنا الكوارث البيئية أن الطريق إلى الشفاء يبدأ بخطوةٍ صغيرة ، وأن الأمل لا يموت ما دام في الإنسان ضميرٌ حيّ ، فحين نزرع شجرة ، أو نمنع مجرى ملوثاً من أن يصب في نهر، أو نرفع صوتنا من أجل بيئةٍ أنظف ، فإننا نمنح أبناءنا حقهم في الغد . فالعراق لا يزال قادراً على النهوض ، ونهر دجلة يمكن أن يعود للحياة ، وشط العرب يمكن أن يستعيد عذوبته إذا اجتمع الإصرار والإرادة والعلم . وفي النهاية حين تُقطع آخر شجرة ، ويتم اصطياد آخر سمك ، ويُقتل آخر حيوان ، وحين يتلوث آخر نهرٍ في البلاد ، سيقف الإنسان حاملاً حفنةً من النقود في يده ، لكنه لن يجد شربة ماءٍ عذبة ولا نسمة هواءٍ نقية ، حينها فقط سيدرك أن المال “لا يُؤكل” وأن ثروات الشركات بلا معنى في عالمٍ بلا حياة ، سيُدرك متأخراً أن الكوكب لم يكن بحاجةٍ إلى مزيدٍ من المصانع ، بل إلى قليلٍ من الرحمة ، لكن للأسف ، سيكون الأوان قد فات… والنهر قد مات . |


