متى ينتهي موسم الانتخابات الذي أرهق العراقيين؟

متى ينتهي موسم الانتخابات الذي أرهق العراقيين؟
الانتخابات العراقية تحوّلت إلى فوضى من التسقيط والتسريبات بدل البرامج، وتحوّلت القضايا السيادية إلى أدوات دعائية. المواطن المتعب بين وعيٍ متنامٍ ويأسٍ متراكم، يدرك أن الديمقراطية ليست صندوق اقتراع بل مسؤولية دائمة لمحاسبة الفاسدين....
لم يبق سوى أيام قليلة على موعد الانتخابات البرلمانية في العراق، لكنّ الشارع يبدو وكأنه خرج من معركة لا من دعاية انتخابية.

فبدلا من برامج واقعية أو وعود مدروسة، غرق العراقيون في فيض من التسقيط، والتسريبات، والاتهامات المتبادلة، والوعود المكرّرة التي لا تشبه الواقع في شيء.

موسم الانتخابات الذي يفترض أن يكون موسما للأمل صار أشبه بمهرجان للفوضى، تتنافس فيه الأحزاب والشخصيات على من يصرخ أكثر.

•موسم بلا راحة

منذ أسابيع، تحوّلت الساحة السياسية إلى حلبة مصارعة لفظيّة، تصريحات نارية من هنا، وردود أشد حرارة من هناك، والكلّ يرفع شعار “الإصلاح” وكأنه لم يشارك في الخراب.

مرشّحون يهاجمون خصومهم بلا رحمة، وآخرون يسقطون رفاق الأمس طمعا في مقعد الغد، وصفحات إلكترونية تقتات على نشر التسريبات والفضائح، بعضها حقيقي وبعضها مفبرك بعناية.

المواطن صار يسمع يوميا عن “قضايا فساد كبرى” و”تسجيلات مسرّبة” و”أسرار خطيرة”، حتى صار لا يعرف من الفاسد ومن المفبرك، فالجميع يتّهم الجميع، والنتيجة واحدة: انعدام الثقة أكثر.

•الإعلام كسلاح انتخابي

الإعلام اليوم ليس منبرا للتنوير، بل ساحة حرب تموّلها الأحزاب بكرم غير معهود، قنوات تلفزيونية، وصفحات فيسبوك، وجيوش إلكترونية، كلّها تعمل وفق خطة واحدة: “اضرب خصمك ولا يهمّ كم تكلف الحقيقة”.

في هذا المناخ، ضاعت فكرة البرنامج الانتخابي، ولم يعد أحد يسأل عن الاقتصاد، ولا عن البطالة، ولا عن الخدمات.

السؤال الوحيد الذي يشغل الناس: من سقط اليوم؟ ومن سيسقَط غدا؟

صار المواطن يرى المشهد وكأنه مسلسل طويل لا نهاية له، عنوانه الدائم: “الانتخابات… الحلقة المليون”.

• ملفات سيادية تحوّلت إلى أدوات سياسية

وهنا تأتي المفارقة: ملفات مثل خور عبد الله وملف المياه مع تركيا، التي من المفترض أن تكون من صلب السيادة العراقية، صارت تستخدم كأدوات في الحلبة الانتخابية:

فقناة خور عبد الله: يثار الحديث عنها وعن التنازل أو التفريط في هذا الممر البحري العراقي الحيوي، وإن ما يجري هي “صفقات خلف الكواليس” تسعى لتمرير الاتفاقية بطريقة تفتقر للشفافية.

وملف المياه مع تركيا: توفع اتفاقيات ومذكرات تفاهم مع الجانب التركي وتسوق كإنجازات، لكنها تهاجم لافتقارها للشفافية أو تحديد حصص واضحة من المياه لصالح العراق.

هذه القضايا ليست تقنية فقط، وانما هي قضية أمن قومي ومستقبل شعب، لكنها في الحملات الانتخابية أصبحت “بطاقة” تلعب بها الأحزاب للتفوّق الإعلامي، لا لمعالجة حقيقة الواقع.

النتيجة؟ المواطن يرى كيف أن ملفات مصيرية تتحوّل إلى “مشاحنات انتخابية” لا أكثر، تخدّر بها الضمائر في سباق كراسي وسيطرة إعلامية، بدل أن تعالج بجدية وطنية.

•تعب الناس وذاكرة الخيبات

العراقيون لم يعودوا ينتظرون ما سيقوله السياسيون، بل ينتظرون فقط أن ينتهي هذا الموسم المرهق.

فكل دورة انتخابية تبدأ بوعود “التغيير”، وتنتهي بخيبة امل.

الناس تتذكّر جيدا كيف تحوّلت الوعود السابقة إلى مناصب، وكيف اختفت صور “المرشحين المنقذين” من الشوارع بمجرد انتهاء التصويت.

•بين الوعي واليأس

رغم هذا التراكم من الخيبات، هناك ما يستحق التوقف عنده:

الوعي الشعبي بدأ يكبر، والمجتمع صار أكثر فطنة في كشف الكذب والتمثيل.

الناس بدأت تفرّق بين من يتحدث من أجل الكرسي ومن يتحدث من أجل الوطن.

ربما هذه الانتخابات لن تغيّر كل شيء، لكنها على الأقل كشفت كل شيء:

-من الذي يستخدم الدين والمذهب سلاحا.

-ومن يبيع العشيرة شعارا.

– ومن يختبئ خلف رايات المقاومة أو الإصلاح ليحصد المقاعد.

• ما بعد 11-11

في 11 تشرين الثاني، سيذهب العراقيون الى صناديق الاقتراع، وقد يفوز هذا أو يخسر ذاك، لكن الأهم أن ينتهي هذا الضجيج الذي أثقل صدور الناس وأتعب عقولهم.

وما بعد الانتخابات، المطلوب المراجعة:

من صوّت عن قناعة؟ ومن انساق خلف الإعلام؟

من أراد التغيير؟ ومن اكتفى بالفرجة؟

والراحة لن تأتي من انتهاء الموسم!، بل ببناء وعي جديد يدرك أن الديمقراطية ليست صندوقا فحسب، بل مسؤولية لا تنتهي بانتهاء موسم الانتخابات.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *