التمدد التركي في العراق: بين ذرائع الأمن ومشروع الهيمنة

التمدد التركي في العراق: بين ذرائع الأمن ومشروع الهيمنة
يُظهر التحليل أنّ التوغّلَ التركيَّ في شمالِ العراق تجاوزَ مبرراتِ الأمنِ القوميّ، ليتحوّلَ إلى مشروعِ هيمنةٍ منظّمٍ، تُستَغلُّ فيه ذريعةُ مكافحةِ الإرهاب وطريقُ التنمية كورقتيْ ضغطٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ وسطَ صمتٍ عراقيٍّ مقلقٍ....

المقدمة:

لم تعد العمليات العسكرية التركية في شمال العراق مجرد رد فعل أمني على نشاط حزب العمال الكردستاني، بل تحوّلت إلى استراتيجية توسعية ممنهجة تُدار تحت غطاء “محاربة الإرهاب”. فأنقرة باتت تتعامل مع الأراضي العراقية كساحة نفوذ مفتوحة، تُدخل وتُخرج منها قواتها دون تنسيق أو احترام للسيادة، وسط صمت رسمي عراقي يثير تساؤلات حول حدود القرار الوطني، خاصة في ظل اتفاقات أمنية واقتصادية متسارعة.

أولًا: اتفاق الانسحاب… ذريعة لا تسوية

في الاتفاق الأخير بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني، لم تُصرّ تركيا على نزع سلاح الحزب أو تفكيكه داخل أراضيها، بل اشترطت عليه الانسحاب بسلاحه إلى شمال العراق. هذا الشرط يكشف بوضوح أن أنقرة لا تسعى إلى إنهاء الملف، بل إلى تدويره خارج حدودها.

فالحزب تحوّل إلى أداة سياسية مرنة، تُستخدم لتبرير التوغّل حينًا، وتُهدّأ حين يحين وقت الصفقات. أنقرة تنفخ فيه حين تحتاج إلى مبرر للتدخل العسكري، وتفرغه حين ترغب في التهدئة. بهذا، يبقى الحزب ورقة ابتزاز دائمة، تُدار من أنقرة لا من جبال قنديل.

ثانيًا: قواعد عسكرية أم حدود جديدة؟

الوجود التركي في شمال العراق توسّع بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، عبر إنشاء قواعد ومراكز مراقبة داخل العمق العراقي. كل عملية عسكرية تُفضي إلى تثبيت موطئ قدم جديد، وتُقيّد حركة الدولة العراقية في أراضيها.

ما يُقدَّم كحرب على الإرهاب هو في جوهره إعادة رسم للنفوذ الإقليمي، تُدار تحت شعارات براقة تخفي وراءها مطامع في المياه والممرات التجارية والموارد الطبيعية.

ثالثًا: طريق التنمية… ممر اقتصادي أم أداة نفوذ؟

مشروع “طريق التنمية” الذي يمتد من ميناء الفاو بالبصرة إلى ميناء مرسين التركي، مرورًا بمدن عراقية رئيسية، يُروَّج له كفرصة اقتصادية واعدة.

لكن أنقرة توظّفه كورقة ضغط متعددة الأوجه.

– تربط التعاون فيه بمرونة بغداد تجاه عملياتها العسكرية شمالًا.

– تُقايض به في ملفات المياه والطاقة، مستفيدة من تحكّمها بمنابع دجلة والفرات.

– تمنح شركاتها أولوية في التنفيذ، مما يخلق تبعية اقتصادية جزئية.

– تضع نفسها كعنق الزجاجة في حركة التجارة العراقية نحو أوروبا.

بهذا، يتحوّل المشروع من شراكة إلى أداة نفوذ، ويُستخدم لتكريس الهيمنة التركية تحت غطاء التنمية.

رابعًا: الصمت العراقي… تفريط لا حياد

الموقف الرسمي العراقي تجاه هذا التمدد يبدو باهتًا ومترددًا، يكتفي ببيانات شجب لا أثر لها على الأرض. هذا الصمت لا يُفسَّر كحياد دبلوماسي، بل كتفريط تدريجي بالسيادة.

وإذا استمر العراق على هذا النهج، فسيجد نفسه أمام واقع مفروض، تتحوّل فيه “العمليات المؤقتة” إلى وجود دائم، وتُعاد فيه صياغة الحدود وفق المصالح التركية.

الخاتمة:

ما تقوم به تركيا في شمال العراق يتجاوز الدفاع عن الأمن القومي، ليصبح تنفيذًا لمشروع توسّعي ممنهج، يُستغل فيه ملف حزب العمال الكردستاني ومشروع طريق التنمية كورقتي ضغط متكاملتين.

والمؤسف أن بغداد، بصمتها وتشتت قرارها، تُسهّل هذا التغلغل وتُشرعن استمراره.

لقد آن للعراق أن يُعيد تعريف علاقته بتركيا على أساس الندية والسيادة، لا المجاملة والخضوع.

فالسكوت اليوم هو هزيمة لغد.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *