النفط مقابل الماء… صفعة القرن بطعم “العطش”

النفط مقابل الماء… صفعة القرن بطعم “العطش”
الاتفاق المائي بين العراق وتركيا يمنح أنقرة إدارة الموارد لخمس سنوات، مقابل تمويل المشاريع من النفط، مما يثير مخاوف من فقدان السيادة وتحول التعاون إلى تبعية اقتصادية تُضعف الموقف العراقي في أزمة المياه الإقليمية....
في تطوّر “استراتيجي” جديد، أعلن العراق وتركيا عن اتفاقية للتعاون في مجال المياه، تتضمن ـ حسب البنود المعلنة ـ منح الجانب التركي إدارة الملف المائي العراقي لمدة خمس سنوات.

الاتفاقية، التي وُصفت بأنها “نقلة نوعية في إدارة الموارد المائية”، تثير تساؤلات أكثر مما تقدم إجابات، خصوصًا حين نقرأ بنودها بتأنٍ، فنجد أن الجهة المتحكمة بمنابع النهرين ستصبح هي نفسها المستشار والمشرف والمنفذ لمشاريع إدارة المياه داخل العراق!

الاتفاقية تتحدث عن “تحسين نوعية المياه”، و“إيقاف التلوث”، و“حوكمة الإدارة”، و“استخدام تقنيات الري الحديثة”، وهي عناوين جميلة بلا شك، تشبه كثيرًا الشعارات التي تُكتب على لافتات المؤتمرات ثم تختفي مع أول قطرة مطر أو أول موسم جفاف.

لكن ما يثير الدهشة حقًا هو أن جميع هذه المشاريع ستُحال إلى شركات تركية، وتموَّل من بيع كميات من النفط الخام العراقي.

أي أن المعادلة الجديدة أصبحت: النفط مقابل الماء… ولكن بإشراف من يملك مفاتيح السدود!

المتابع للشأن المائي يعرف أن تركيا خلال العقود الماضية بنت سلسلة من السدود العملاقة على نهري دجلة والفرات، مما تسبب بانخفاضٍ كبير في الحصص المائية الواردة إلى العراق.

ولذلك، فإن منحها اليوم “حق إدارة الملف المائي العراقي” يبدو كأننا نقول للذي يغلق الباب: “تفضل وعلّمنا كيف نطرقه بطريقة صحيحة!”

المدافعون عن الاتفاقية يصفونها بأنها “تعاون فني بحت”، بينما يراها كثير من المختصين خطوة مبهمة التفاصيل، تفتح الباب أمام نفوذ اقتصادي جديد تحت عنوان “المشاريع المشتركة”.

فما الحاجة إلى وسيطٍ خارجي لإدارة ملفٍ سياديٍ داخلي، يمكن تطويره بكفاءاتٍ عراقية وخبراتٍ عالمية محايدة؟

أما البند الذي يقضي بتمويل المشاريع من بيع النفط، فهو بيت القصيد في المسرحية، إذ تتحول الموارد الوطنية إلى حسابٍ خاص يُصرف على مشاريعٍ تديرها شركات الدولة التي تتحكم أصلاً بمياهنا.

بمعنى آخر، ندفع من جيبنا ثمن الدروس في كيفية تنظيم عطشنا.

الاتفاقية قد لا تكون خرقًا قانونيًا، لكنها بالتأكيد خرقٌ في منطق السيادة.

فإدارة المياه لا تحتاج إلى وصاية، بل إلى إرادة، ولا تُحل الأزمة بقرارات مجاملة، بل بمشاريع حقيقية تحفظ حقوق العراق المائية أمام كل الأطراف.

وفي الختام، لا نملك إلا أن نرفع القبعة احترامًا لعبقرية هذه الصيغة الجديدة:

النفط مقابل الماء… والانسيابية مضمونة لمدة خمس سنوات، مع خالص التحيات من منبع النهر إلى مصبّ الصبر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *