الوعد الإلهي…

الوعد الإلهي...
يؤكد النص أن تجمع بني إسرائيل في فلسطين تحقيق للوعد الإلهي، وأن الصراع الجاري يختبر الإيمان والصبر، لتتحقق العدالة في النهاية، حيث يرث الصالحون الأرض ويعود الحق إلى أصحابه بإرادة الله....

في خضمّ التاريخ الطويل الذي جرى كالنهر بين ضفّتين من الوعد والابتلاء، تقف فلسطين كالمسرح الأخير للقدر الإلهي، تلك البقعة التي اجتمعت فيها النبوءة والدم، والوعد والوفاء، حيث تتقاطع سنن الله في الخلق مع أسرار الحكم في التجميع والتمحيص، ليتجلّى أمام العيون معنى الوعد الإلهي الذي لم يخطئ يومًا سبيله.

لقد كان بنو إسرائيل — منذ أن أرسل الله إليهم موسى عليه السلام — أمة حملت التوراة ثم لم تحملها، كما وصفهم القرآن الكريم:

“مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا” (الجمعة: 5).

تاهوا أربعين سنة في صحراء سيناء، وتاهت معهم بصيرتهم عن طريق الإيمان، فكتب الله عليهم التيه حتى تنشأ أمة جديدة لا تعرف الذلّ ولا عبودية الطغاة. ومنذ ذلك الحين، ظلّ وعد الله يتردّد في صفحات الكتب السماوية وفي صدور المؤمنين، بأن لهم موعدًا مع قدرهم، لا مفرّ منه، وأنهم سيجتمعون ذات يوم في أرض  إعتقدوها أرض الميعاد، لا تكريمًا لهم، بل استدراجًا وعدلاً، ليكون اجتماعهم بداية نهايتهم.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الجمع العجيب حين قال تعالى:

“وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا. فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا” (الإسراء: 4-6).

ها هو الجمع قد تمّ، بعد ألفيات من الشتات، وكأنّ يد الغيب كانت تسوقهم سوقًا إلى الموضع ذاته الذي شاء الله أن يُمحّص فيه الحق من الباطل. لقد ظنّوا أن اجتماعهم في فلسطين نصرٌ سياسي، فإذا به وعدٌ إلهي يجري في مسار القدر، ليكتمل المشهد الذي تحدّث عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين قال:

“لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر أو الشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود” .

ذلك الحديث الذي ليس مجرد نبوءة غيبية، بل قانون كونيّ في صراع الحق والباطل، حيث يلتقي الظلم المتراكم على الأرض بالعدالة المؤجّلة من السماء.

إنّ الله — جلّ في علاه — لا يجمع قومًا في موضعٍ إلا لحكمة، ولا يقرّ لهم مقامًا إلا ليبتليهم أو ليقضي فيهم أمرًا كان مفعولًا. وفي فلسطين، اجتمعوا من كل أقطار الأرض كما يجتمع الغيم قبل العاصفة، ليتجلّى فيهم وعد الله الحقّ، فلا ظلم يدوم، ولا كيان يُقام على الدماء إلا ويُسقى من كأس الزوال.

إنّ هذا الجمع لم يكن مصادفة سياسية ولا نتاج قوّة بشرية، بل هو استدعاء قدريّ لتمام مشهد الوعد الإلهي، إذ يقول الله تعالى:

“وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ” (القصص: 5).

فها هم المستضعفون اليوم — من أبناء فلسطين ومن ناصرهم من أحرار الأمة — يكتبون فصلًا من هذا الوعد، لا بالحبر بل بالدم، يواجهون الحديد والإبادة بثباتٍ يذكّر بثبات أصحاب الأخدود، أولئك الذين قال الله فيهم:

“وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ” (البروج: 8).

إنّ الوعد الإلهي ليس انتقامًا مجردًا، بل هو درس في العدالة الإلهية التي لا تُبنى على الغضب بل على التمام. كلّ ما يجري اليوم إنّما هو صيرورة الوجود نحو لحظة التوازن الأخيرة، حيث يتجلّى الحق في أبهى معانيه، وحيث يفهم الإنسان أن النصر لا يُمنح بالقوة بل بالاصطفاء. فالله لا ينصر القوي، بل يُقوّي من أراد نصره.

وعلى المؤمنين أن يوقنوا بهذا الوعد، وأن لا يهنوا ولا يستعجلوا الثمرة، فالله لا يُخلف وعده، وإن بدا الطريق طويلًا والليل ممتدًّا، فإن الفجر لا ينسى موعده. إن الإيمان بوعد الله هو السلاح الأصدق حين تخفت الأصوات وتتراجع الأنوار، لأن الثقة بالوعد الإلهي هي يقين بأن ما كُتب في الغيب سيظهر على صفحات الوجود، مهما طال الانتظار.

من يتأمّل المشهد اليوم يرى كيف أنّ الله جمعهم لفيفًا من كلّ أقطار الأرض، ليكونوا — وهم في ذروة قوتهم — في لحظة ضعفٍ لم يسبق لها مثيل، إذ يخشون حجراً، ويهتزّ كيانهم أمام طفلٍ يحمل مقلاعًا، وكأنّ الله أراد أن يُري العالم أن العدل لا يحتاج إلى جيوش، بل إلى قلبٍ مؤمنٍ وصبرٍ جميل.

إنها ليست معركة جغرافية، بل معركة بين وعدين: وعدٍ زائفٍ كتبه الساسة، ووعدٍ صادقٍ نطق به الله في كتابه. والفرق بينهما كالفرق بين السراب والماء. وعدهم البشر بالأرض، ووعد الله عباده المؤمنين بالحق، فاختاروا الأولى فكانت وبالًا عليهم، واصطفى الله للثانية قومًا لا يخافون في الله لومة لائم.

وسيأتي اليوم الذي يتحقّق فيه تمام هذا الوعد، فتعود الأرض إلى أهلها كما تعود الأمانة إلى صاحبها، يوم يقول الله في خلقه كلمته الأخيرة، وتُسدل ستارة التاريخ على مشهدٍ كتب بمداد الغيب منذ الأزل:

“وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ” (الأنبياء: 105).

فما نراه اليوم ليس نهاية التاريخ، بل بدايته الجديدة، حيث تشرق شمس الحق من بين ركام الظلم، ويُرفع على أسوار القدس نداء التوحيد: لا إله إلا الله، وعدُ الله حقّ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *