درع لبنان

درع لبنان
يشدّد النص على أن سلاح المقاومة في لبنان درعٌ للكرامة والوطن، ويرفض تسليمه قبل زوال الخطر، معتبرًا أن دمج المقاومة ضمن مشروع وطني جامع هو السبيل لحماية البلاد وضمان السيادة وعدم تكرار مآسي الماضي....

في كلّ مرحلة من تاريخ هذا الوطن الصغير المحاصر بالريح والحديد، كان ثمّة رجال يقفون بين الحياة والموت ليقولوا للعالم: إنّ للبنان درعًا لا يُكسر. هم شبّانه الذين حملوا البندقية لا لترفٍ أو مغنم، بل لأنهم أدركوا أن الأوطان لا تُصان بالبيانات وحدها، وأنّ الشرف لا يُكتب بالحبر، بل بالدم.

شباب لبنان المقاوم ليسوا أبناء الحرب، بل أبناء السلام الذي حُرموا منه. خرجوا من رحم القرى المهدّمة، ومن بيوت الطين والوجع، ليقولوا إنّ الكرامة لا تُشترى ولا تُستعطى، وإنّ الدفاع عن الأرض ليس خيارًا، بل قدرٌ وموقف. هم الذين حين تنام المدن، يسهرون على حدود النار، لئلا يستيقظ الأطفال على لهيب الصواريخ.

هؤلاء الشباب هم درع لبنان الحقيقي، الدرع الذي يصدّ الغزاة ويمنع المجازر، الدرع الذي وُلد من رماد الاجتياحات، من ذاكرة صبرا وشاتيلا، من نكباتٍ لم يشف منها التاريخ بعد. يوم سلّمت منظمة التحرير الفلسطينية سلاحها، وقّعت اتفاقًا على الورق، لكن على الأرض كانت المذابح تُكتب بالدم. خرج المقاتلون، ودخل القتلة، وسقط الأبرياء في الأزقة بلا حولٍ ولا وطنٍ ولا حماية. فهل من يضمن اليوم أن لا يتكرر المشهد إن أُلقي السلاح مرة أخرى؟

من يضمن الإسرائيلي الناقض للعهود، الذي لا يعرف من السلام إلا اسمه؟ من يضمن أن لا تعود الطائرات لتقصف القرى كما فعلت مرارًا، أو أن لا تُفتح مجازر جديدة بوجوهٍ مختلفة ولكن بأيدٍ واحدة؟ أليس التاريخ نفسه شاهدًا على أن العدو لا يلتزم عهدًا إلا ليخرقه، ولا يوقّع اتفاقًا إلا ليستثمره ضدّ من صدّقه؟

إنّ الدعوات التي تُرفع اليوم لتسليم السلاح تبدو في ظاهرها طريقًا نحو «السلام»، لكنها في جوهرها استسلامٌ للقدر الخاطئ. فالسلاح الذي وُجّه يومًا في وجه الاحتلال ليس عبئًا على لبنان، بل صمام أمانه. هو الذاكرة التي تقول لإسرائيل: إنّ زمن اجتياحاتك ووصايتك واعتداءاتك قد ولّى.

نعم، لبنان يريد دولة قويّة وجيشًا واحدًا وسلاحًا تحت راية القانون، لكن ذلك لا يكون بإزالة درعه قبل أن تُزال أسباب الخطر. فالدولة التي تُجرد نفسها من قوتها قبل أن تُؤمّن حدودها، تُشبه من يخلع درعه في ساحة المعركة لأنه يؤمن بحسن نوايا خصمه.

اللبنانيون، في أعماق وجدانهم، يعرفون أن سلاح المقاومة ليس مجرّد قطعة حديد، بل رمز للكرامة المهدّدة. فحين تتحدث إسرائيل عن ضمانات، وحين تتحدث واشنطن عن “احتكار الدولة للسلاح”، يتساءل الناس في الجنوب والبقاع والضاحية وكل لبنان: من يضمن لنا أن لا يعود الاحتلال بثوبٍ جديد؟ من يضمن أن لا تُكرر صبرا وشاتيلا أخرى؟

درع لبنان هو أولئك الشباب الذين اختاروا أن يعيشوا على حافة الموت كي يبقى وطنهم حيًا. قد يُتَّهمون، وقد يُحاصرون، وقد يُطلب منهم أن يضعوا سلاحهم، لكنهم يعرفون أن التاريخ لا يرحم من يُفرّط بالدماء التي حفظت الأرض.

إنّ الحفاظ على هذا الدرع لا يعني رفض الدولة، بل حمايتها حتى تستطيع أن تقوم على قدميها. وحين تُصبح الدولة قادرة، عادلة، سيّدة على قرارها، عندها فقط يُمكن أن يُعاد النظر في شكل السلاح وموقعه، لا أن يُسلّم خوفًا أو خضوعًا.

لبنان لا يُحمى بالشعارات، بل برجالٍ آمنوا أن الكرامة لا تُورّث، بل تُصان. هؤلاء هم درع لبنان، الذين لو لم يكونوا، لما كان الوطن كما نعرفه اليوم: صغيرًا، نعم، لكنه حرّ، مرفوع الرأس رغم الجراح.

بين الحاضر والمستقبل

اليوم، يقف لبنان أمام لحظةٍ دقيقة، لا يريد فيها أن يعيش على سيف الحرب ولا أن ينام على وسادة الوهم. بين مطرقة الخارج وسندان الداخل، يُطرح السؤال الكبير: كيف نحمي الوطن من دون أن نخسر روحه؟

الجواب ليس في تفكيك درعه، بل في تحويل هذا الدرع إلى مشروع وطني شامل، يجعل من المقاومة قوة ضمن الدولة لا خارجها، ويمنحها شرعيتها من الشعب لا من العزلة. فالمقاومة حين تُدمج بالعقل الوطني والسيادة الجامعة، تُصبح مدرسةً في الإخلاص، لا عبئًا على الدولة بل ذراعها الأقوى.

لبنان القادم يحتاج إلى توازنٍ دقيق بين السلاح والقرار، بين العزيمة والسيادة، ليبقى قادراً على حماية حدوده دون أن يُفقد هويته. فالدرع الحقيقي لا يُحمل فقط على الكتف، بل في الضمير الجمعي لشعبٍ قرر أن لا يكون فريسةً بعد اليوم.

إنّ مستقبل لبنان لن يُكتب في مؤتمرات الخارج، بل في صدور أبنائه الذين يحملون الإيمان بأن هذا الوطن، مهما تكسّرت عليه الأمواج، سيبقى صامدًا لأنّ درعه من صخر الإيمان لا من صدأ الخوف .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *