لا أعلم من يمتلك الجرأة ليطلب من أم ثكلى، أن تصبر على مصابها، وما هي كلمات المواساة التي يرددها عليها كي تتحمل، لازلت أذكر حالة الجنون والفجع والفقد التي اعترت أمي بعد فقدها لوحيدها، لم يستطع أحد أن يعزيها ويصبرها، بل كانت ترى بأن نهاية العالم حلت بنهاية وحيدها.
نعم فهذا هو ديدن الشروكيات عند الفقد ينتهي العالم بأجمعه، ويصبح لا يساوي ذرة من ذرات الرمل التي تعلق في أحذية أحبائهن، تراهن وهن يخرجن تلك الاهات الحزينة التي تعتصر الروح وتكسر القلب، لا نعرف هل هي تعزية ومواساة لهن أم لأنفسنا أم تذكير لنا بعظيم المصيبة التي حلت علينا؟!.
ألفنا هذا المشهد وتعودنا عليه اقصد الحزن والفقد، فليس جديد أن نرى شبابنا يساقون الى محارق، لا ناقة لهم فيها ولا جمل فأولاد الشروگية، كانوا وما زالوا هم وقود الحروب، وكانوا هم أكباش الفداء ليحافظ الجلاد هدام على نظامه ويثبت أركان ديكتاتوريته.
وسقط الصنم لكن هل سقط الظلم تجاه أولادنا، وهل استقرت حياتنا بعد 2003، بصراحة كنا قد ارتحنا وتنفسنا الصعداء، ها قد انزاحت صخرة الظلم الجاثمة على قلوب العراقيين، وأخيرا سنبني دولة ديمقراطية تحفظ للجميع حقوقهم وكرامتهم دون تمييز، واصبحنا نحن مثل (أم الولد) نوزع الحنان على أولادنا بالتساوي، ولا نفرق بين أحد منهم فلا فرق بين الشيعي والسني والكردي الكل محترم ومصان في العراق الحديث.
بالطبع هذا الإستقرار لم يرضي الكثيرين بل إنهم حاولوا بشتى الطرق إسقاط الحكم ومحاربة الشيعة من جديد، مرة بعودة البعث ومرة بالطائفية ومرة أخرى بالارهاب.
ودخلنا في صراعات كثيرة، الله أعلم كيف نجونا منها وكيف تخلصنا من كل هذا، حتى قلنا يا الله لقد زال كل الهم وانتهى الإرهاب، لم تمض فترة حتى اطلت علينا عورة تشرين، والدمار الذي لحقنا بسببها، نعم فلم تكن لا ثورة ولا احتجاجات سلمية، بل كانت كقميص عثمان الذي رفع من جديد للمطالبة بحقوق كان الجميع قد تمتع بها معروف من أدارها ومن تورط فيها،
ربما سيشكل عليّ البعض، صح إن الحكم في وقت الحالي ليس ملائكيا لكنه لا يقارن بالفترات المظلمة التي عشنا فيها في زمن الملعون.
نحن نعرف جيداً من الذي دفع شبابنا وحركهم للتظاهر بحجة المطالبة بالحقوق، فتحول شعار (نريد وطن)الى دمار وحرق شوارع وتعطيل مدارس ودوائر، ومحاربة واستهداف للحشد وقياداته والأدهى أنهم أرادوا شيطنة هذه القوة العقائدية التي قدمت أروع صور البطولة والتضحية خلال حربها مع داعش.
فكر غبي ومؤدلج ضد شريحة معينة، استطاع افتعال الفوضى وتدمير البلاد لفتره ليست بالهينة ولا زلنا حتى اليوم نعاني من هذه الخراب.
بسبب عاهة تشرين فقدنا شبابا بعمر الورد، مثل (وسام وعصام العلياوي) خيرة شباب محافظة ميسان، وأول من لبى فتوى الجهاد الكفائي في حربنا ضد الإرهاب، فرسان من فوارس أهل الحق وخيرة قياداتها التي شكلت الحركة على يدها.
رغم مرور ست سنوات لازلت لا أتجاوز بشاعة المنظر في سيارة الإسعاف، وكيف تكالبت الوحوش والمعروف جيدا لأي الجهات ينتمون، وجرأتهم لخطف حياة وسام وعصام، كيف سولت لهم أنفسهم الأمارة بالسوء قتل شبابنا وأي حكم نطقوا به قبل أن ينفذوا جرمهم.
ساعة استشهادهم كيف استطاعت أمهم أن تتقبل هذا الخبر وتبقى هكذا قوية وصابرة وشامخة، تلك السيدة العظيمة التي مثلت فعلا صبر مولاتي زينب عليها السلام، وكانت امتدادا فعليا للخط الزينبي، مع الأسف ما زال مصير الكثير من القتلة مجهول، ولم نعلم هل تم تنفيذ القصاص العادل على جميع من ظهر بمقطع الفيديو المصور في سيارة الإسعاف ام لا.
من المضحك والمبكي في نفس الوقت أن يوم 25 اكتوبر 2025، شهد وقفة احتجاجية لمتظاهري تشرين، للكشف عن مصير القتلة كما يدعون، والمختطفين من المتظاهرين ومن يقف خلف تعذيب متظاهرهيم وهذا حقهم.
لكن أين حقنا نحن، وأين حق شهدائنا، وأين حق أولادهم من سيقتص ممن قتل شبابنا وسام وعصام، هل هنالك من سيأخذ بثأر هيثم البطاط ذلك الطفل الذي تم تعليقه وتعذيبه بأبشع الطرق في ساحة الوثبة، أم إن هؤلاء مستثنون من المطالبة بالكشف عن مصير قتلتهم.
اللعنة على تشرين ومن أدار تشرين في الخفاء، ومن حرض على تظاهرات تشرين ومن مولها بصمة العار تلك التي لاتمحى وهي لا زالت كالغصة في أفواهنا.
ست سنوات مرت ونحن نصبّر أنفسنا على الفاجعة التي حلت بنا لكن قدر الله وما شاء فعل.
اللهم أرحم شهدائنا الأبرار واسكنهم في عليين مع سيدي ومولاي ابا عبد الله الحسين عليه السلام.


