المقدمة:
في زمنٍ تتبدّل فيه اللهجات الدبلوماسية إلى لغة تهديد، يطلّ المبعوث الأميركي توم براك محذرًا اللبنانيين من حربٍ كبرى تلوح في الأفق إن لم تُفكَّك قوة حزب الله ويُكبح ما يسميه “الخطر على استقرار المنطقة”.
لكنّ من يتأمل كلماته يدرك سريعًا أن براك لا يتحدث باسم واشنطن بقدر ما ينطق بلسان تل أبيب، وأنّ “التحذير” ليس سوى صدى لخطابٍ إسرائيلي قديمٍ جديدٍ يبدّل الأسماء ولا يغيّر الجوهر: ترهيبٌ من الحرب مقابل الخضوع.
جوهر التهديد ومضمونه السياسي:
اللافت في حديث براك أنه لم يقدّم رؤية سياسية أو مبادرة اقتصادية، بل لوّح بالنار والدمار، متوعدًا لبنان بأن الولايات المتحدة “لن تقف بعد اليوم على الحياد” إذا لم تُنزع “أسباب التوتر” على الحدود الجنوبية.
كأنّ الأزمة اللبنانية تختصر في بندقية المقاومة، وكأنّ الاحتلال لم يكن أصل كل مأساة، ولا الاعتداءات اليومية التي تمارسها إسرائيل من الجو والبحر والبر هي ما يهدد الأمن والاستقرار.
براك قالها صراحة: إن لم تُسَلَّم المفاتيح، فلتستعدوا للحرب.
لكنّ اللبنانيين، الذين جرّبوا كل أنواع الحروب والحصارات والتهديدات منذ أكثر من نصف قرن، يعرفون أن هذه اللغة لا تُخيف من تربّى في حضن الرماد وخرج منه حيًّا.
فمن الجنوب الذي احترق بالاجتياحات، إلى البقاع الذي ذاق نيران القصف، إلى بيروت التي نهضت من تحت الركام مرارًا، لبنان يعرف الحرب كما يعرف اسمه.
من ذاكرة النار: نيوجرسي وقصف الجبل والضاحية عام 1982
حين يتحدث براك اليوم بلهجة التهديد، يتناسى التاريخ القريب.
ففي عام 1982، حين كانت البارجة الأميركية نيوجرسي ترسل صواريخها العملاقة نحو الضاحية الجنوبية والجبل،
ظنّ الأميركيون ومعهم الإسرائيليون أن لبنان سيُركَع تحت نيران البحر،
وأن الحمم التي كانت تسقط على المدنيين ستكسر إرادة المقاومة الوليدة.
لكنّ ما حصل كان العكس تمامًا:
القصف لم يطفئ الروح بل أشعلها.
من بين الركام خرجت بيروت أكثر عنادًا،
والجبل أكثر تمسكًا بكرامته،
والجنوب أكثر إيمانًا بأنّ الدم هو الطريق الوحيد للحرية.
ومع كل صاروخٍ سقط، كانت تتكوّن في الوجدان اللبناني قناعةٌ لا تموت:
أنّ القوة الأميركية والإسرائيلية مهما بلغت، لا تستطيع أن تهزم إرادة من يعرف أرضه وحقّه.
ومضت السنوات، وسقطت كل رهاناتهم.
خرج الإسرائيلي من بيروت مكسورًا عام 1985،
ثم عاد مهزومًا من الجنوب عام 2000،
ثم تلقّى صفعةً أخرى في حرب تموز 2006،
وها هو اليوم يلوّح بالحرب من جديد عبر مبعوثٍ أميركي جديد،
غير مدركٍ أن الذين واجهوا نيوجرسي في الثمانينات لن يرهبهم تهديد في الألفينيات.
صمود 66 يومًا في حرب 2024: ملحمة جديدة في الذاكرة اللبنانية
وفي العام 2024، حين اشتعلت الجبهة مجددًا بعد تصاعد العدوان على غزة،
ظنّت إسرائيل أنها ستكرر مشهد 1982 أو 2006 بسرعة البرق،
لكن الجنوب اللبناني كتب فصلاً آخر من التاريخ.
ستة وستون يومًا من القصف المتواصل، من الجو والبحر والبر،
لم تُسقط إرادة المقاومين، ولم تُرهب قرى الجنوب التي بقيت صامدة رغم الجراح والجوع والانقطاع الكامل عن الكهرباء والمؤن.
كانت السماء ملبدة بالدخان، لكن القلوب مضاءة بالإيمان.
المدارس تحولت إلى ملاجئ، والمستشفيات إلى خطوط دفاع،
والناس، رغم الخسائر، لم يفكروا في الرحيل.
كأنّ كل بيت في الجنوب صار خندقًا من الصبر، وكل أمّ جدارًا من العزيمة.
انتهت الحرب بعد 66 يومًا،
لكنها لم تنتهِ فعلاً، لأنّ ما بقي في الذاكرة أهم من أي هدنة:
أنّ لبنان لا يُهزم، مهما طال القصف أو جفّ الخبز أو انقطعت الأنفاس.
وأنّ كل تهديد أميركي جديد لن يُقابل إلا بابتسامةٍ يعرف معناها أهل الجنوب جيدًا: “جربوا، فقد جربتم من قبل.”
الموقف الأميركي وأهدافه العميقة:
تصريحات براك لا يمكن فصلها عن المناخ السياسي الراهن في المنطقة.
فالإدارة الأميركية الحالية تسعى إلى تثبيت مسار التطبيع العربي–الإسرائيلي كركيزةٍ لشرق أوسطٍ جديدٍ خالٍ من “الممانعة”، ولبنان — بما يمثله من موقع جغرافي ومقاومة شعبية وتاريخية — هو العقبة الأخيرة التي لا يمكن تجاوزها دون محاولة كسرها.
واشنطن تدرك أن لبنان ليس دولةً يمكن إخضاعها بالتصريحات،
لذلك تحاول اليوم الضغط عبر التهديد الأمني والاقتصادي معًا:
فالحصار المالي مستمر، والدعم الدولي مشروط، واللغة الدبلوماسية تحوّلت إلى عصا مرفوعة فوق رأس بيروت،
وكل ذلك خدمةً لغايةٍ واحدة: نزع سلاح المقاومة وتجريد لبنان من عنصر الردع الوحيد أمام العدوان الإسرائيلي.
أما التطبيع، فهو الهدف المستتر خلف خطاب براك.
فواشنطن تراهن على أن خوف لبنان من حربٍ جديدة سيدفعه للتنازل التدريجي،
لكنها تغفل أن هذا البلد حين يختار المقاومة، لا يفعلها من باب الترف السياسي، بل من باب البقاء.
إنه يعرف أن التسوية التي لا تحفظ الكرامة ليست سلامًا بل استسلام.
المواقف العربية والإقليمية:
في الوقت الذي يتحدث فيه براك بلغة النار،
تلوذ معظم العواصم العربية بالصمت أو بـ”الحياد الآمن”،
بعضها منشغل بتثبيت اتفاقيات التطبيع، وبعضها الآخر يخشى من إعادة خلط الأوراق في المنطقة.
فمنذ سنوات، تحاول بعض الدول العربية التماهي مع الخطاب الأميركي – الإسرائيلي القائل إنّ “المشكلة في لبنان داخلية”،
لكنها تتناسى أن لبنان كان دائمًا خط الدفاع الأول عن كرامة الأمة العربية،
وأن سقوطه يعني فتح الباب واسعًا أمام مشروع الهيمنة الإسرائيلية على كامل المشرق.
لبنان اليوم يقف وحيدًا في الميدان، لكن وحدته ليست ضعفًا،
لأنّ ذاكرته مثقلة بتجارب علمته أن التحالفات المصلحية زائلة،
وأنّ الشعوب هي التي تصنع الموقف لا البيانات الرسمية.
جبل عامل: حيث تبدأ الحكاية وتنتهي بالصمود:
حين يهدّد براك لبنان بالحرب،
ربما لم يخبره أحد أن الجنوب — وتحديدًا جبل عامل — هو مدرسة الحرب ذاتها.
أهله خبروا النار قبل أن يولد براك نفسه،
حملوا السلاح في وجه الغزاة من العثمانيين إلى الفرنسيين إلى الإسرائيليين،
زرعوا الأرض بالقمح وقت السلم، وبالدم وقت الحرب.
في جبل عامل لا يُرهب القصف،
فالأمهات هناك يودّعن أبناءهن على وقع الدعاء لا الدموع،
والأطفال يولدون على أصوات الطائرات دون أن يرتجفوا.
هؤلاء الذين تربّوا بين الحقول والرماد لا يخشون الحرب، لأنهم ببساطة أهلها.
لقد ورثوا الصمود كما ورثوا الأرض،
وحين يتوعدهم براك أو غيره، يبتسمون لأنهم يعرفون أن التهديد لا يُطلق إلا في وجه من يُخشى.
الخاتمة:
يتحدث براك اليوم بلسان إسرائيل،
لكنّ لبنان يردّ عليه بصمتٍ يعرفه جيدًا العالم:
صمتُ الذين لا يخافون.
فالحرب ليست شبحًا يخيفنا، بل مرآةٌ نرى فيها أنفسنا أحرارًا،
ولأننا أبناء الذاكرة والرماد والنهوض،
فكل تهديدٍ لا يزيدنا إلا إيمانًا بأنّ هذا الوطن، مهما ضاق،
لن يُطوى رايته ما دامت على أرضه قلوب تعرف معنى الكرامة.


