في الشأن الداخلي… الإعلام السياسي بين التوجيه والتسقيط

في الشأن الداخلي... الإعلام السياسي بين التوجيه والتسقيط
يعالج النصّ أزمة الإعلام السياسي في العراق، كاشفًا تحوّله من أداة رقابة إلى وسيلة تلاعب تخدم أجندات حزبية، ويدعو إلى إعلام وطني مسؤول يعيد الثقة بين المواطن والمنظومة الإعلامية عبر الصدق والمهنية والضمير...

هناك الكثير من الأمثلة العراقية التي تنطبق على واقع الإعلام السياسي في الوقت الحاضر، خصوصاً داخل الأروقة التي تروّج لأجندات محددة. ومن بين هذه الأمثلة الشعبية التي تختصر المشهد قولهم: عندما يقترب موعد الراتب، يقوم مالك المولدة بالاتفاق مع بعض المشرفين على الكهرباء لإجراء إطفاءات عديدة. هذا المثل البسيط يعكس بدقة ما يجري في ساحة الإعلام السياسي بالعراق اليوم، إذ تُفتعل الأزمات ويُعاد تسليط الضوء على القضايا المرهقة مع كل استحقاق سياسي جديد.

الإعلام بين المهنة والولاء

ما نود الإشارة إليه هنا لا يتعلق بالإعلاميين والكتاب والمحللين الذين يعملون بصدق ومهنية في مختلف الكروبات والصفحات والمنصات. فهؤلاء يمثلون الضمير المهني النزيه الذي يسعى إلى نقل الحقيقة وتحليلها بعين نقدية مسؤولة. لكن المقصود في هذا السياق هو الإعلام الذي تديره الدوائر المعروفة، أي تلك الجهات التي تمتلك أدوات تأثير موجهة، وتتحكم في الخطاب الإعلامي بما يخدم مصالحها السياسية لا المصلحة العامة. بين الإعلام الحر والإعلام الموجّه فارق كبير، الأول يراقب السلطة والثاني يتغذى على فتات موائدها.

صناعة الخوف وتهيئة المزاج الانتخابي

مع اقتراب نهاية عمر أي حكومة، يبدأ هذا الإعلام في بث رسائل الخوف والقلق بين الناس، ملوّحًا بأزمات مالية خانقة، وديون خارجية وداخلية بأرقام فلكية. تُنشر هذه الأخبار دون أدلة قاطعة، وتُبنى عليها تحليلات متشائمة تُصوّر المستقبل وكأنه جدار مسدود لا أمل في تجاوزه. الهدف الخفي من وراء هذا التهويل هو تهيئة الرأي العام لتقبّل التغيير الذي تريده جهات معينة، أو لتشويه صورة حكومة بعينها قبل مغادرتها المشهد السياسي. الإعلام في هذه الحالة لا يؤدي دوره الرقابي، بل يتحول إلى أداة ضغط وابتزاز سياسي.

الإعلام كأداة في معركة النفوذ

ولغرض تسليط الضوء أكثر، يمكن القول إن كلما اقترب موعد الانتخابات تبدأ بعض القنوات والمنصات بإطلاق حملاتها “التحليلية”، لكن دون الاستناد إلى عينات واقعية أو بيانات موثوقة تثبت صحة ما يُقال. إنها حالة تشبه الطبيب الذي يعلن مرض الجسد السياسي دون أن يجري له أي فحوصات حقيقية، مكتفيًا بتشخيص جاهز يخدم مصالح من يدفع له الأجر. مثل هذا الإعلام يفقد بوصلته الأخلاقية عندما يجعل من المعلومة وسيلة لتصفية الحسابات، لا أداة للتنوير.

من النقد البنّاء إلى التسقيط المقنّع

عندما ينحرف الخطاب الإعلامي عن مساره المهني، ويتحول إلى أداة لتسقيط الخصوم، فإنه يفقد قيمته ووظيفته الجوهرية. النقد البنّاء مطلوب، بل هو روح العمل الإعلامي الحر، لكنه يجب أن يستند إلى أدلة ووثائق وتحليل موضوعي. أما أن يتحول الإعلام إلى ساحة تصفية، فهذا يُضعف ثقة الجمهور ويفرّغ الكلمة من معناها. فالكلمة، حين تُستغل، لا تختلف كثيرًا عن السلاح حين يُستخدم في غير موضعه. كلاهما يقتل، الأول يقتل الحقيقة، والثاني يقتل الإنسان.

نحو إعلام وطني مسؤول

ما يحتاجه العراق اليوم ليس إعلامًا يثير الضجيج عند اقتراب الاستحقاقات السياسية، بل إعلامًا يعزز الوعي الوطني، ويضع المصلحة العليا فوق الولاءات الحزبية والشخصية. الإعلام الوطني الحقيقي هو الذي يحاسب بإنصاف، ويدعم بموضوعية، ويعرض الحقائق كما هي دون تزييف أو مبالغة. وهو الذي يذكّر الناس بأن الإصلاح لا يتحقق بالتسقيط، بل بالمصارحة والمكاشفة والاعتراف بالأخطاء من أجل تجاوزها.

خاتمة

إن ما يجري في الإعلام السياسي بالعراق اليوم يعكس أزمة ثقة عميقة بين المواطن والمنظومة الإعلامية. فكلما اقتربت نهاية حكومة، أو حان موعد انتخابات جديدة، عاد المشهد نفسه يتكرر بوجوه مختلفة، وصوت أعلى، وخطاب أكثر انقسامًا. وهكذا، بدل أن يكون الإعلام جسراً للتواصل بين الناس والسلطة، أصبح في كثير من الأحيان أداة لقطع هذا الجسر وإشعال الفتن. وإذا لم يُعَد ضبط إيقاعه وفق معايير المهنة والضمير، فسنظل ندور في حلقة مفرغة، عنوانها الأبرز: إعلام يطفئ النور عندما يقترب موعد الحقيقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *