اللواكة – داء العصر وموت الكرامة

اللواكة - داء العصر وموت الكرامة
يصف الواقعَ زمنَ اللواكة حيثُ يُكافَأ المتملّق ويُقصى الصادق، فتغدو الرداءة فضيلةً والنزاهةُ خطيئةً. غير أنّ الأملَ باقٍ في كلّ من يقول "لا" للنفاق، متمسّكاً بالكرامة وحرّية الكلمة....

في زمن انقلبت فيه الموازين ، لم يعد النجاح مرتبطاً بالكفاءة ولا القيادة على ضوء ما قدم وضحى وحرر ، ولا التقدير قائماً على النزاهة ، بل أصبح الصوت الأعلى هو صوت اللاوكي ، ذاك الذي باع ضميره على رصيف النفاق ، واشترى بكلمات الذلّ مقعداً في الصفوف الأولى .

اللواكة لم تعد مجرد سلوك فردي شاذ ، بل تحوّلت إلى وباء اجتماعي خبيث ، ينخر في جذور المؤسسات ، ويعيث فساداً في علاقات البشر ، ترى اللاوكي يتسلّل في كل مكان ، في الدوائر الرسمية ، في الوسط الأكاديمي ، في الإعلام ، وحتى على مواقع التواصل .. يتلوّن كالحرباء ، يحني رأسه لمن بيده السلطة والوجاهة ، ويصفّق حتى لو كانت الكارثة تُعرض أمامه على المسرح .

هؤلاء عبدة المناصب والمقام لا يؤمنون بفكرة ولا يدافعون عن مبدأ ، قلوبهم وعقولهم خاوية ، ووجوههم متعددة الأقنعة . شعاراتهم جاهزة !! “سيدي”، ” أنت فخرنا و رمزنا ” ” لا مثيل ولابديل لك” ” انت عنوان ” انت وانت .. وكلما ازداد القائد استبداداً وطغياناً ، ازدادت لديهم جرعة التملق .

إنه زمن اللواكة المنظمة ومسح الاكتاف ، حيث تُكافأ الرداءة إذا تزيّنت بمساحيق المدح الكاذب ، ويُقصى المبدع لأنه لم يُتقن طقوس التزلف . وهنا لا نتحدث عن المجاملة المهذبة ، بل عن مسخ الشخصية ، عن أولئك الذين لا يجدون لأنفسهم قيمة إلا حين ينحنون ، ويحسبون أن الذلّ سلّم يصعد بهم إلى المجد .

تأمل في أي مؤسسة تدهورت ، وستجد على أطرافها قطيعاً من اللاوكية ، يصنعون الأكاذيب ، ويطبلون للفشل ، ويخنقون كل صوت حرّ بحناجر النفاق .

وللاسف الشديد هناك بعض الأنظمة التي تكافئ الصاغر ، وتخشى الحرّ . المجتمعات التي أعطت قيمة للمظهر فوق الجوهر . والثقافات التي تربّت على الصمت والطاعة العمياء .

إن اللواكة ليست فقط مرضاً أخلاقياً ، بل جريمة في حق الوعي ، وإهانة للعقل ، وخيانة للحق . وهي لا تزدهر إلا في بيئة ملوّثة بالقمع ، حيث الكلمة الحرة جريمة ، والصمت نجاة ، والانبطاح مهنة .

لكن يبقى هناك أمل ، أمل في كل شخص يرفض أن يكون عبداً ، في كل صوت يقول “لا” في وجه القبح ، في كل من يحتفظ بكرامته ولو خسر كل شيء .

فليُلعن زمن اللاواكة واللاوكيّة… ولتُرفع راية الكلمة الحرة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *