بعد الأحداث والمتغيرات الأخيرة على الساحة السورية ومع اقتراب موعد الانتخابات، فقد أخذ الشدّ الطائفي يتصاعد ثانية. فما حقيقة هذا الصراع؟ وما هي أهم أسبابه؟ إن أي استعراض لأحداث العراق بعد عام 1958 وإلى يومنا الحاضر يبيّن أن هذا الصراع أو الاصطفاف الطائفي يظهر عندنا في العراق عندما تسقط الأنظمة، وليس أثناء الانقلابات العسكرية، إمّا بسبب اهتزاز المعادلة التقليدية في الحكم كما حصل بعد سقوط النظام الملكي، أو لانقلاب تلك المعادلة كما حدث بعد سقوط نظام صدام.
جذور الانقسام بين الاجتماع والسياسة
الخطأ الكبير أو الوهم الذي وقع فيه كثير من القادة والمحللين السياسيين هو عدم التفريق بين التوافق الاجتماعي والتوافق السياسي بين المكونين الرئيسيين: الشيعة والسنة. فالتوافق الاجتماعي حاصل بفعل طبيعة الحياة اليومية، والاختلاط، وشكل العلاقات الاجتماعية التي وصلت إلى حد المصاهرة والتزاوج. لكن التوافق السياسي شيء آخر تماماً، يخضع لمعايير وشروط تاريخية وعقيدية، ويصعب تحقيقه بسهولة. فالمجتمع العراقي قد تعايش منذ قرون، إلا أن السياسة كانت دائماً الحقل الذي ينفجر فيه التناقض الكامن بين الرؤيتين المختلفتين للدولة والسلطة والمقدّس.
المقدّس الشيعي: الدين والشعيرة لا الكرسي
الشيعة في العراق لم يكونوا يوماً طلاب سلطة، بل كان نضالهم متركزاً حول حماية شعائرهم الدينية ومقدساتهم، وفي مقدمتها الشعائر الحسينية التي تمثّل روح الهوية الشيعية. فصراعهم المستمر، منذ ثلاثينيات القرن الماضي في عهد حكومة ياسين الهاشمي وحتى سقوط نظام صدام عام 2003، كان مع الأنظمة التي ضيّقت على هذه الشعائر أو منعتها. ولعلّ الدليل الأوضح على هذا الاتجاه أنّ كل الانقلابات العسكرية التي عرفها العراق في تاريخه الحديث، والعشرات من المؤامرات ضد الأنظمة المختلفة، كان القائمون بها من كبار الضباط السنّة، ولم يحدث أن قام شيعي بانقلاب عسكري واحد. هذا لا يعني أن الشيعة كانوا غائبين عن الشأن الوطني، بل أنهم نظروا إلى السلطة بعين الارتياب، واعتبروها طريقاً إلى القمع لا الإصلاح.
المقدّس السني: الدولة والسلطة قبل كل شيء
أما الطرف الآخر، فإن أهم مقدساتهم السياسية والفكرية هي الدولة والسلطة والحاكم، بل تأتي قبل أي مقدس آخر. وهذا يفسّر حساسيتهم العالية تجاه مسألة القيادة السياسية والعسكرية. فمن الصعب، في نظر كثير من النخب السنية التقليدية، تقبّل أن يتولّى مكوّن آخر زمام الحكم، خصوصاً في المناصب الحساسة كالجيش والأمن والاستخبارات. وتاريخ الدولة العراقية منذ تأسيسها في عشرينيات القرن الماضي حتى عام 2003 يؤكد هذا النمط؛ إذ كانت معظم القيادات العليا من المكوّن السني، بينما حُجِب الشيعة عن تلك المواقع رغم كثرتهم السكانية ودورهم الوطني. لذلك، عندما تصدّر الشيعة العملية السياسية بعد سقوط النظام السابق، بدا ذلك عند البعض تهديداً لبنية السلطة ذاتها، لا مجرد انتقال سياسي.
تكرار التاريخ: من سقوط الملكية إلى سقوط صدام
ما جرى بعد سقوط نظام صدام ليس جديداً على الذاكرة العراقية. فبعد سقوط النظام الملكي عام 1958 وظهور الزعيم عبد الكريم قاسم، وقف كثير من السنّة ضده باعتباره “محسوباً على الشيعة”، خصوصاً مع صعود المدّ الشيوعي الذي كانت قياداته وجماهيره بمعظمها من الشيعة. وقد جرى إسقاطه بانقلاب 8 شباط 1963 بعد أكثر من ست وثلاثين مؤامرة استهدفت حكمه. والمفارقة أن المناطق الساخنة بعد 2003 هي ذاتها التي كانت مضطربة في عهد قاسم، مما يبرهن أن المشكلة ليست في الأشخاص أو الأنظمة بقدر ما هي في البنية الذهنية الطائفية المتجذّرة التي لم تتغير مع الزمن.
فشل المحاصصة ومأزق الدولة الحديثة
كل هذا يؤكد أن ما يُسمّى بالمحاصصة السياسية لم يكن علاجاً للصراع الطائفي، بل وقوده الخفي. فقد حطّمت هذه الصيغة العملية السياسية وشتّتت الولاءات، حتى بات العراق يعيش مأزق الدولة الحديثة التي تدار بعقلية المكوّن لا بعقلية الوطن. ومع استمرار هذه العقليات والعصبيات والكذب والدجل بين أطراف العملية السياسية، التي يقودها اليوم أعراب المكونات، فإنّ هذه العملية ستنهار عاجلاً أم آجلاً. الصراع الطائفي في جوهره ليس خلافاً مذهبياً فحسب، بل هو فشل في بناء مفهوم الدولة المواطنة التي تساوي بين مواطنيها، وتفصل الدين والمذهب عن مؤسسات الحكم.

