أين علماء وأساتذة وكفاءات العراق؟؟

أين علماء وأساتذة وكفاءات العراق؟؟
يبرز النص أهمية النخب العلمية في تقدم المجتمعات، محذرًا من أن استبعاد العلماء والأكاديميين في العراق أدى إلى تراجع حضاري وثقافي واجتماعي، وتحول السلطة إلى أيدي الجهّال وأصحاب المصالح الضيقة....

إن الأمم والشعوب تفتخر وتتباهى بعلمائها ومفكريها وأساتذتها وأكاديميّيها وأصحاب الكفاءات والاختصاصات العلمية والمعرفية، سواء في العلوم الطبيعية أو الإنسانية أو الفنية. فبهؤلاء تُبنى الحضارات وتُصاغ الهويّات الثقافية ويُقاس مستوى التطور والرقي في أي مجتمع. وما تصل إليه الأمم من حداثة وازدهار وعمران إنما هو انعكاس مباشر لمكانة العقل والعلم فيها، إذ يشكّل العلماء والأكاديميون مرآة التقدّم الحضاري ورأس ماله الحقيقي.

العراق ومجد النخبة الفكرية قبل انكسار الحضارة

في الحقيقة، كان هذا التوصيف حاضراً بقوة في العراق لعقود طويلة. فقد كانت المجتمعات الحضرية، وفي مقدمتها بغداد، تزهو بنخبتها من العلماء والباحثين والأساتذة الذين أضاءوا حياة البلاد علمياً وثقافياً. كانت الجامعات العراقية، ولا سيّما جامعة بغداد، منارة علمية تتنافس مع نظيراتها في الشرق الأوسط، وكان العراقي يُعرف بعقله الراجح وكفاءته العالية أينما حلّ. لكن هذا المشهد بدأ يتراجع منذ ما يقارب نصف قرن، بعد أن اجتاح الجهّال والأعراب مراكز الدولة والمجتمع، فبدأت مرحلة الانحدار الفكري والاجتماعي التي ما زالت آثارها ماثلة حتى اليوم.

نزيف العقول وهجرة الكفاءات

من الأدلة الساطعة على هذا الانحدار، آلاف العلماء والباحثين العراقيين الذين يعملون اليوم في المراكز العلمية والبحثية في أوروبا وأمريكا وسائر الغرب. هؤلاء لم يتركوا وطنهم حبّاً بالغربة، بل فراراً من بيئة طاردة للعلم والمعرفة. لقد أُهملوا، وشُوّهت قيمتهم، وتحوّل الحسد والكراهية إلى سياسة ممنهجة ضد النخب المتعلمة. هكذا فقد العراق عقله، وبقي جسداً يئنّ تحت وطأة الجهل والفساد. إنّ نزيف العقول أخطر من نزيف الدماء، لأنّ الدم يمكن تعويضه، أما العقول فلا تُستبدل بسهولة.

السلطة بين الجهّال والنخب المستبعدة

إن الصراع والفوضى السائدة اليوم، والتي تُوصف بأنها “صراع سياسي“، هي في حقيقتها صراع بين الجهل والمعرفة، بين من يملك الوعي ومن يملكه المال والسلاح. فلو تأملنا القوى المتصارعة على المشهد السياسي، وسألنا: كم تبلغ نسبة العلماء والأكاديميين والمفكرين داخل هذه القوى؟ لوجدناها لا تتجاوز الواحد في المائة، إن لم تكن أقل. أولئك الذين تحدثنا عنهم في البداية — من أصحاب التخصص والعقول الراجحة — قد جرى تهميشهم ومحاربتهم وإقصاؤهم في هذا النظام كما في النظام السابق، بل وحتى الاعتداء عليهم كما حدث مع الأطباء في السنوات الأخيرة.

انهيار القيم وغياب الطبقة الراقية

فأين ذهبت تلك العوائل الراقية والمتحضرة؟ وأين البيوتات العريقة التي أنجبت القادة والمفكرين والسياسيين الكبار؟ لقد انسحب معظمهم من الساحة، إمّا قسراً أو اختياراً، بعدما تحوّل المشهد العام إلى سوق صاخبة يسودها الضجيج والابتذال بدل الفكر والاحترام. من يدير العراق اليوم هم أولئك الذين لم يعرفوا من الدولة سوى غنيمتها، ومن الوطنية سوى شعارها، ومن القانون سوى كيفية التحايل عليه. فماذا يُرتجى من حكمٍ يتولاه الجهّال وأهل العصبيات والتخلّف والعربان، في مركز الحضارة الأول وهو العاصمة بغداد؟

ضياع الوطن بانهيار النخبة

ويُبعد العلماء والأساتذة وأهل الخبرة والاختصاص، فكانت النتيجة واضحة لا تحتاج إلى برهان. إنّ ما وصل إليه العراق من انهيار حضاري ومأساوي وتدمير لمؤسسات الدولة وتراجع في كل مفاصلها هو ثمرة طبيعية لإقصاء العقول وتقديس الجهل. فحين تُقصى النخبة، ينهار الوطن، وتتحوّل الدولة من عقل يفكر إلى جسد يتخبط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *