الانتخابات ودعوى القضاء على الفساد وإعادة هيبة الدولة !!

الانتخابات ودعوى القضاء على الفساد وإعادة هيبة الدولة !!
الانتخابات وحدها لا تكفي لمكافحة الفساد المتجذر في العراق، فالإصلاح الحقيقي يتطلب قادة أكفاء ودولة مؤسساتية، بعيداً عن الولاءات الضيقة والثقافات الاجتماعية التي أنتجت قيادات عاجزة عن حماية القانون وإعادة هيبة الدولة....

تعقيباً على دعوات بعض الساسة الشيعة من أن المشاركة في الانتخابات القادمة ستؤدي إلى القضاء على الفساد وإعادة هيبة الدولة، إلى غير ذلك من الوعود الخيالية، وهي تأتي على لسان من كان سبباً في الفشل والإخفاق، وباعترافهم أنفسهم، نحن نتساءل: إذا كان القضاء على الفساد وإعادة هيبة الدولة يتحقق عبر الانتخابات، فلماذا هذا التصاعد المستمر في هذه الظواهر السيئة والمدانة بعد خمس انتخابات جرت في العراق خلال العقدين اللذين أعقبا سقوط النظام السابق؟!!

جوهر المشكلة: فساد متجذر لا تصححه صناديق الاقتراع

إن الحديث عن القضاء على الفساد عبر انتخابات جديدة هو في جوهره تكرار لعبارات استهلاكية فقدت معناها من كثرة ما ترددت في خطاب الطبقة السياسية. الفساد في العراق لم يكن وليد دورة انتخابية واحدة، بل هو نتاج منظومة متشابكة من المصالح والعلاقات العشائرية والطائفية والحزبية التي تغلغلت في مفاصل الدولة حتى صارت القاعدة لا الاستثناء. فكيف يمكن لمن كان جزءاً من هذه المنظومة أن يدّعي قدرته على محاربتها؟ الإصلاح لا يتحقق بالشعارات، بل بإعادة بناء الدولة على أسس الكفاءة والنزاهة، وتحريرها من قبضة من يملكون الولاء للزعيم لا للوطن.

الحل الحقيقي: بناء الدولة على أيدي الأكفاء لا الجهال

إن القضاء على هذه الظواهر وكل ما هو سيئ ولعين يكون بخلاص العراق من حكم الجهال والأعراب والعوام، واستبدالهم برجال دولة متحضرين متمرسين حقيقيين مؤهلين يتمتعون بالحزم والإصرار والقدرة على إدارة الدولة، لا بهذه الأشكال التي لا تتوافر فيها أدنى شروط القيادة. فماذا نتوقع من مسؤول خرج من وسط اجتماعي تسود فيه قيم البداوة التي تعتبر السرقة والنهب والاختلاس والفرهود أفعال بطولة وشجاعة؟! إن الدولة الحديثة لا تُدار بعقلية الغزو والثأر، بل بعقلية التنظيم، القانون، والمصلحة العامة.

هيبة الدولة بين الماضي والحاضر: مقارنة موجعة

أما فيما يتصل بإعادة هيبة الدولة وسطوتها، فإن استعراض أنظمة الحكم التي مرت على العراق منذ العهد الملكي وحتى سقوط النظام السابق يُظهر أن الدولة، رغم قسوتها أحياناً، لم تكن يوماً تُنعت بفقدان الهيبة كما هو الحال اليوم. كانت مؤسساتها تمتلك حضوراً وهيبة تمنع العبث، أما اليوم فضعف القانون وهيمنة الميليشيات والعشائر جعلت الدولة أشبه بجسد بلا روح. والسبب لا يقتصر على المحاصصة اللعينة، بل يتعداه إلى طبيعة البيئة الاجتماعية التي أنتجت هذه القيادات وأوصلتها إلى السلطة.

بيئة اجتماعية عاجزة عن إنتاج قيادة وطنية

إن النظر في الوسط الاجتماعي الذي انحدر منه كثير من القادة يوضح حجم المشكلة. فكيف ننتظر من سياسي كان أبوه أو جده يتملق لشرطي القرية أو يقبّل يد قائمقام أو يفتخر بمصافحة مدير الناحية أن يحمل في داخله روح القائد الوطني؟ هؤلاء الذين جاءوا من بيئة تعودت على الخضوع والتمجيد للأقوى لا يمكن أن يصنعوا دولة حرة أو نظاماً راسخاً. إنهم أبناء ثقافة ترى في صاحب المنصب “سيداً” لا “موظفاً عاماً”، ولذلك تحولت مناصب الدولة إلى غنائم يتسابق عليها الطامعون.

العاصمة الضائعة بين العشائرية والفوضى الأمنية

ولننظر أين أوصلوا العاصمة بغداد؛ فقد أصبحت مدينة تتلاعب بها النزاعات العشائرية، وتُرهب فيها العائلات الآمنة بما يسمى “الدكة العشائرية”، وهي ممارسة جاهلية تنتمي لعصور ما قبل الدولة. تحوّلت العاصمة، التي كانت يوماً رمزاً للمدنية والتحضر، إلى ساحة صراع تعبّر عن انهيار مفهوم الدولة الحديثة في وعي الناس قبل مؤسساتها. إن هيبة الدولة لا تُستعاد بخطب رنانة، بل بإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وبإعلاء القانون فوق الولاءات الضيقة.إن عقدة التملق والدونية والتردد والخوف والانبطاح لا يمكن أن تخلق قيادات تستطيع إدارة بلد ودولة كالكيان العراقي بخصائصه ومميزاته. ولننظر أين أوصلوا العاصمة بغداد إذ جعلوها مدينة يتلاعب بها العربان في نزاعات مسلحة وتهديد الناس الآمنين بـ”الدكة العشائرية” وغيرها من الممارسات الجاهلية الخبيثة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *