من كوية إلى بغداد: بارزاني ورحلة بناء الديمقراطية
الانتخابات العراقية لا تُدار فقط داخل صناديق الاقتراع، بل في الشارع الملتهب الذي يختزن كل التناقضات والتجاذبات. فمنهم من يبيع صوته ببطاقة انتخابية رخيصة، وآخرون يغامرون بدفع خصومهم نحو أخطاء يدفعون ثمنها بخسائر سياسية باهظة. وفي المقابل، تتكدّس اللقاءات الإعلامية والمقابلات الدعائية، ويزداد الصخب والمزاحمة، حتى كاد بعضهم أن يتنكر لخبز المخلصين الذين احتضنوه أيام المحن. وهناك من تخلّى عن وعوده القديمة، ومن استطاع أن يقفز فجأة من الصفر إلى العشرين مقعدًا، بل تحوّل من “صوت واحد” إلى خمسين وفق استطلاعات الرأي، مستثمرًا موقعه السابق في السلطة ليشق طريق النجاح من جديد.
هذا كله ليس سوى مشهد من المشهد الانتخابي العراقي، الذي يكشف عن حقيقة أعمق: العمق العربي في العراق، بشقَّيه الشيعي والسني، وإن اختلف في تفاصيل التاريخ والرؤية، يتفق في الكثير من الأحيان على تهميش العمق الكوردي ودوره في بناء الدولة. وهذه هي النقطة الجوهرية التي تضعنا أمام خلاف استراتيجي لا يمكن تجاهله.
فنحن في كوردستان العراق نتعامل مع واقع فيدرالي أُقرّ في الدستور بعد تضحيات جسام، بينما يجنح الكثير من القوى العربية نحو إعادة إنتاج المركزية بصيغ جديدة. والفرق بين الاتجاهين كبير؛ فالكورد دفعوا الغالي والنفيس من أجل تضمين مبدأ الفيدرالية والشراكة في الدستور، ولا يمكنهم التنازل عنه. على العكس، نحن نؤمن بأن طريق الاستقرار هو الشراكة، التوازن، والتوافق، وأن مفتاح هذه المبادئ هو الدستور ذاته، الذي أقرَّ بوضوح أن القرارات المصيرية للبلاد يجب أن تكون ضمن هذا الإطار.
لكن يبرز سؤال مشروع:
إذا كان الدستور قد نصّ على الشراكة، فلماذا يرفعه الحزب الديمقراطي الكوردستاني شعارًا انتخابيًا؟
الجواب بسيط، لكنه بالغ الدلالة: لأن هذه المبادئ ظلت حبراً على ورق، ولم تُترجم إلى واقع ملموس. لقد تكررت الوعود، لكن التنفيذ غاب، وأصبحت الالتزامات مجرد تصريحات شفوية بلا توقيع ولا التزام حقيقي. لذلك فإن أي حكومة جديدة لن نشارك فيها إلا على أساس هذا الشعار. فمن يؤمن به ويدعمه، نذهب إليه ونشاركه في تشكيل الحكومة. أما من يتنصل عنه، فلن نكون جزءًا من مشروعه السياسي.
هذه هي جوهر العملية السياسية التي آمنا بها منذ البداية. نحن من دعونا إلى الديمقراطية وأسّسنا لبنيتها، وطبّقناها أولًا في إقليم كوردستان، ثم نقلنا التجربة إلى بغداد بعد سقوط النظام السابق عام 2003. نحن من حمينا الدستور، وحافظنا على الديمقراطية في أصعب الظروف، ولذلك لا يمكن لنا أن ننسحب من العملية السياسية، لأننا من بناها منذ البداية.
نعم، لدينا ملاحظات كثيرة على مسار الديمقراطية في العراق، لكن هذا لا يبرر الانسحاب أو ترك الساحة فارغة. بل على العكس، علينا أن نضاعف الجهود من أجل إنجاح الديمقراطية، وإنجاح الحزب الديمقراطي الكوردستاني تحديدًا في هذه الانتخابات. نجاحنا ليس مسألة أرقام فحسب، بل هو رسالة سياسية كبيرة تليق بمكانة الحزب، وتُعدّ بمثابة هدية معنوية وتاريخية للرئيس مسعود بارزاني، مؤسس الديمقراطية الحديثة في العراق، الذي لم يكن فقط قائدًا سياسيًا، بل كان أول من دعا إلى انتخابات حرة في مدينة كويسنجق، لتولد منها أول تجربة برلمانية كوردية عام 1992. تلك التجربة لم تبقَ محلية، بل ألهمت العملية الديمقراطية في العراق بأسره وصولًا إلى أول انتخابات دستورية عام 2005.
اليوم، وبعد أكثر من عقدين على تلك التجربة الريادية، يقف الحزب الديمقراطي الكوردستاني أمام تحدٍ متجدد: كيف يحافظ على دوره القيادي، ويترجم شعاراته إلى سياسات عملية، ويجعل من الشراكة والتوازن والتوافق حقيقة لا تُنكر، لا مجرد شعار انتخابي؟
الجواب يكمن في وعي الشارع الكوردي والعراقي معًا. فإذا كان الشارع العربي لا يزال يميل إلى مركزية القرار، فإن الشارع الكوردي يعرف تمامًا أن الفيدرالية ليست مجرد خيار سياسي، بل ضمانة لمستقبل الأجيال. وبين هذين الاتجاهين، تظل الانتخابات المقبلة محطة مفصلية لإعادة التأكيد على أن الكورد ليسوا طرفًا ثانويًا في العملية السياسية، بل شريكًا أساسيًا لا يمكن تجاوزه.
من هنا، فإن أصوات الناخبين الكورد، خصوصًا للحزب الديمقراطي الكوردستاني، ليست مجرد أصوات انتخابية، بل هي إرادة سياسية تهدف إلى تثبيت مكانة كوردستان في معادلة الحكم العراقي، وإلى الدفاع عن مشروع ديمقراطي بدأ من كوردستان وتوسع ليشمل العراق بأسره.
إن نجاح الديمقراطية في العراق مرهون بنجاح الديمقراطي، ومتى ما أدرك الآخرون أن الشراكة ليست منّة بل حق دستوري، يمكن عندها أن نتحدث عن عراق متوازن، فيدرالي، متماسك. وإلا فسيظل الصراع بين المركزية والفيدرالية مفتوحًا بانتظار من يحلها، ويبقى الديمقراطي الكوردستاني ومن سار في طريقه، هو الأمل والحل معًا


