في الشأن الإيراني!

في الشأن الإيراني!
يُظهر تبدل خطاب ترامب اعترافاً بانتهاء زمن الهيمنة الأميركية وتراجع قوة إسرائيل، مقابل صعود النفوذ الإيراني القائم على الردع غير المباشر والدبلوماسية الباردة، ما جعل واشنطن تنتقل من لغة الحرب إلى لهجة التودد السياسي...

ظهر واضحاً ترامب في خطاباته الأخيرة بين إسرائيل وقمة غزة في شرم الشيخ ضعفاً بدنياً ولفظياً بارزاً عند ذكر اسم جمهورية إيران الإسلامية، أو حتى عند محاولته الحديث عن قدرتها العسكرية. لم يعد ذاك الرجل الذي يلوّح بالحرب كما كان في سنواته الأولى بالبيت الأبيض. فبدلاً من أن يرفع صوته متوعداً، أو يلوّح بحجر رمزي كما اعتاد في خطابه الشعبوي، بدا هذه المرة أكثر حذراً، يستخدم كلمات دبلوماسية مصقولة بالنصح والإرشاد.

لقد استبدل ترامب القوة الكهرومغناطيسية في نبرته السابقة بـ”المزيج الناعم للدهان”، على حدّ وصف الكاتب، في إشارة إلى تغير خطابه من التهديد المباشر إلى التودد السياسي، حين قال بوضوح: السلام بدل الحرب.

تراجع لغة القوة أمام الواقع الجديد

هذا التبدل في لهجة ترامب لا يمكن قراءته بوصفه نزعة سلمية مفاجئة، بل اعترافاً ضمنياً بأن موازين القوة في المنطقة تغيّرت. فالحرب الإسرائيلية على غزة كشفت هشاشة المنظومة العسكرية لحلفاء واشنطن، وأظهرت أن القوة التي كانت تُعدّ مطلقة لم تعد كذلك.
لقد برزت إيران كلاعب ميداني غير مباشر أثبت حضوره عبر دعم فصائل المقاومة ورفع مستوى التسليح والتقنيات، مما جعل الحروب قصيرة النفس ومكلفة سياسيًا وعسكريًا.

المنجنيق الإيراني وتأثيره في ميدان الصراع

الكاتب يشير بوضوح إلى “فعاليات المنجنيق الإيراني”، وهو توصيف رمزي يعبّر عن الأسلحة الدقيقة التي استُخدمت لأول مرة بشكل فعال في الصراع الأخير.
هذه القدرات – سواء كانت صواريخ قصيرة المدى أو تقنيات طائرات مسيرة – حققت إصابات نوعية في العمق الإسرائيلي، ما أدى إلى شللٍ مؤقت في عصب الدولة القومية اليهودية، خصوصاً في مرافقها الاقتصادية والعسكرية الحساسة.
هذا التحول أجبر القيادة الإسرائيلية على إعادة حساباتها، ليس فقط في طريقة التعامل مع غزة، بل في فهمها للردع الإقليمي الجديد الذي أصبحت إيران أحد أعمدته الرئيسية.

انعكاسات المشهد على الخطاب الأمريكي

ترامب، بخطابه الجديد، بدا وكأنه يحاول التنصل من عبء الدعم المطلق لإسرائيل، عبر دعوة الجميع إلى “الحوار والسلام”. لكنه يدرك في قرارة نفسه أن هذه الدعوة لم تأتِ من موقع قوة، بل من موقع التراجع.
الولايات المتحدة، التي طالما كانت تفرض الإيقاع السياسي والعسكري في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم في موقف من إعادة التموضع؛ لا هي قادرة على شن حرب مباشرة، ولا تريد أن تظهر بمظهر العاجز. لذلك اختار ترامب أن يغيّر لهجته ليبدو وكأنه صاحب مبادرة إنسانية، بينما الحقيقة أن هذا التغيير نتيجة للضغط الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الدبلوماسية الإيرانية الجديدة

من جهة أخرى، تتعامل طهران مع هذا التحول الأمريكي ببرود استراتيجي محسوب. فهي لا تستعجل الحرب، ولا تبحث عن مواجهة مباشرة، بل تعمل على ترسيخ معادلة الردع من خلال وكلائها وأدواتها السياسية والإعلامية.
وقد أثبتت التجارب الأخيرة أن النفوذ الإيراني لم يعد عسكرياً فقط، بل بات فكرياً وإيديولوجياً يمتد عبر الفصائل والجماعات التي تتبنى رؤية المقاومة كخيارٍ دائم.
إيران، التي عانت لسنوات من العقوبات والعزلة، أصبحت اليوم رقماً صعباً في معادلة الشرق الأوسط، قادرة على التأثير في ميزان القوى دون أن تطلق رصاصة واحدة بنفسها.

إسرائيل بين العجز والمراجعة

بالنسبة لإسرائيل، فإن نتائج الحرب الأخيرة شكلت صدمة عميقة. فقد سقطت أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر” أمام مجموعة من الفصائل التي تعتمد على أسلحة بسيطة لكنها مدعومة بخبرة ميدانية وتنسيق استخباري متطور.
إن عنصر المفاجأة الإيراني في ميدان الصراع جعل إسرائيل تدرك أن الحرب الطويلة لم تعد ممكنة، وأن استمرار النزاع سيؤدي إلى إنهاك اقتصادي واجتماعي لا طاقة لها به.
الهرولة تحت شمس الشرق الأوسط الحارقة، كما وصف الكاتب، لم تعد مجدية، لأن حرارة المعركة لم تعد في ميدان مفتوح، بل في شبكة معقدة من التحالفات الإقليمية التي يصعب كسرها بالقوة.

نهاية خطاب القوة الأمريكية

من هنا يمكن فهم حالة الارتباك في خطاب ترامب: لم يعد قادراً على التلويح بالحرب، ولا على إقناع العالم بأن إسرائيل تملك زمام المبادرة.
لقد تحولت لغة واشنطن من سياسة “العصا الغليظة” إلى سياسة الدهان الناعم، تحاول من خلالها احتواء التوتر دون الاعتراف بالهزيمة.
وهو ما يجعل المشهد الحالي نقطة تحول في طبيعة العلاقة الأمريكية الإسرائيلية من جهة، وفي صعود الدور الإيراني من جهة أخرى، كقوة فرضت احترامها لا بالسلاح فحسب، بل بالصبر الاستراتيجي والتخطيط الطويل النفس.

إن الحرب مع حماس أنهت كل مظاهر القوة لدى حليفتها إسرائيل، وأظهرت أنها لا تملك عنصر المطاولة. والسبب هو ظهور عامل وفعاليات المنجنيق الإيراني الذي بدا واضحاً في تحقيق إصابات شلت عصب الجسد القومي اليهودي الحساس، وأجبره على إعادة حساباته، بعدما تبيّن أن الهرولة تحت الشمس المحرقة لا تجديهم نفعاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *