المجرب الفاسد والمجرب النزيه

المجرب الفاسد والمجرب النزيه
ينتقد النصّ شعار «قائمة بلا مجرّب» بوصفه وهماً سياسياً يعبّر عن غياب الكفاءة، مؤكداً أنّ التجديد لا يتحقق بإقصاء أصحاب الخبرة، بل بدمج الوعي الجديد بالتجربة الرصينة، لأنّ إدارة الدولة تحتاج إلى عقلٍ مجرّبٍ لا إلى شعاراتٍ عاطفية....

ما زالت بعض الأحزاب والقوائم الانتخابية في العراق تتفاخر بعبارة «قائمة ليس فيها مجرّب»، وكأنها ترفع راية الإنجاز والانفراد، بينما الحقيقة أنها تفضح سوء الفهم السياسي وغياب العمق المعرفي والسوسيولوجي في قراءة الواقع العراقي.

إنّ هذا الشعار الذي يُروَّج له على أنه ميزة، هو في الحقيقة نقطة ضعفٍ خطيرة، لأنه يعني ببساطة أن من في هذه القوائم لم يسبق لهم أن مارسوا عملاً إداريًا أو قانونيًا أو سياسيًا، وهي ثلاث ركائز أساسية يقوم عليها العمل البرلماني الرصين.

الخبرة أم الطموح الشعبي

كيف يمكن لقائمةٍ تفتقر إلى التجربة أن تُدير شؤون الدولة؟ وكيف يُمكن لمجموعةٍ من غير المجرّبين أن تصيغ قوانين أو تراقب أداء الحكومات أو تتعامل مع ملفاتٍ حساسة تمسّ حياة الناس؟

السياسة ليست حقلَ تجارب، والبرلمان ليس ساحةً لتعلّم فن الإدارة على حساب مستقبل الوطن.

إن بعض القوائم الانتخابية مازالت ترفع شعار «ليس بها مجرّب» ظنًّا منها أن الناس ملّوا الوجوه القديمة بدون سبب، لكنّها تغفل أن التغيير لا يعني الإلغاء، وأنّ التجديد لا يعني نسف الخبرة.

التجديد بالتجربة لا الشعارات

الفرق شاسع بين أن تُقصي الفاسد لأنك ترفض فساده، وبين أن تُقصي المجرّب لأنك لا تفهم معنى الخبرة.

إن الحنكة السياسية لا تُكتسب من الشعارات، بل من التدرّب الطويل والاحتكاك العملي ومراكمة التجارب.

وإنّ من يظن أن السياسة تُدار بالحماس فقط، فهو لا يدرك أن إدارة الدول تحتاج إلى عقلٍ ناضجٍ وتجربةٍ متراكمةٍ وحكمةٍ في اتخاذ القرار.

صار الناخب العراقي اليوم أكثر وعيًا من أي وقت مضى، يعرف أن الشعارات البراقة لا تبني دولة، وأنّ من لا يملك خبرةً سابقة سيحتاج إلى سنواتٍ ليتعلّم أساسيات العمل العام، بينما الوطن لا يملك ترف الانتظار.

التجربة العملية تمنح القائد رؤيةً قابلة للتطبيق ومقدرة على التعامل مع الأزمات المعقّدة. بدون دمج الخبرة بالوعي الجديد، ستتحول النوايا الحسنة إلى نتائج متعثّرة تؤذي المصلحة العامة. على الناخب إذًا أن يوازن بين الحداثة والكفاءة ليضمن إدارة حكيمة للمصلحة الوطنية.

لهذا، فإنّ رفع شعار «قائمة ليس بها مجرّب» هو اعترافٌ غير مباشرٍ بغياب الكفاءة والمعرفة. فالتجديد الحقيقي لا يكون بإقصاء أصحاب الخبرة، بل بدمج الوعي الجديد مع التجربة الرصينة.

الاستثمار في الأطر التدريبية والمؤسسية يتيح للوجوه الجديدة اكتساب مهارات العمل العام دون تعريض الدولة لتجارب عشوائية. البرلمان الناجح يحتاج مزيجًا من الطاقات الشابة والخبرات المجرّبة لضمان استمرارية الأداء وتقدّم الإصلاح. منهج الدمج هذا يحول التجديد إلى قوة بنّاءة لا عهدة للعشوائية.

إنّ غياب التجربة ليس دليلًا على النقاء، بل مؤشرٌ على ضعف الاستعداد لتحمّل المسؤولية. ومن أراد إصلاح الوطن حقًا، فليختر من يملك الخبرة والمعرفة والقدرة على اتخاذ القرار، لا من يدخل التجربة للمرة الأولى على حساب مصالح الناس. فالبرلمان لا يحتمل “تجارب”، والوطن لا يُبنى بالمصادفة، بل بالعقول المجربة التي تعرف طريق البناء، لا طريق الشعارات.

المجرب الفاسد يجب اقصاءه

والمجرب النزيه يجب انتخابه

ولا يمكن إختيار شخص غير خبير ولا مجرب ولا صاحب فكر سياسي أو اداري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *