ثورات الوعي في زمن الخوارزميات من تشرين العراق إلى (Gen Z 212) المغرب

ثورات الوعي في زمن الخوارزميات من تشرين العراق إلى (Gen Z 212) المغرب
تقدّم تجربتا تشرين العراق و‎ Gen Z 212 ‎المغرب نموذجين لتحوّل الوعي السياسي في العصر الرقمي؛ الأولى تُظهر حدود التمثيل داخل الأنظمة المغلقة، والثانية تُبرز قدرة الشبكات على فرض إيقاعها على القرار، معلنةً ولادة جيلٍ يعيد تعريف السياسة بالوعي والخدمة...

فكرة انتفاضة جيل زد ليست موجة عابرة من الغضب، بل تحول تاريخي في بنية الوعي السياسي يولده العصر الرقمي. وإذا كانت انتفاضة Gen Z 212 في المغرب (خريف 2025) قد كشفت عن قدرة المنصات على تحويل السخط المتناثر إلى قوة جماعية منظمة، فإن انتفاضة تشرين في العراق (2019) كانت النموذج المؤسس في المنطقة لثورة وعي جرى قمعها بعنف، ثم جرى الالتفاف على روحها جزئيا عبر صناديق الاقتراع. المقارنة بين التجربتين تفتح باب لتحليل أعمق.. كيف تعيد الثورة الرقمية تشكيل وعي الشباب، وما هي مآلات هذا الوعي سياسيا وتنظيميا في السنوات المقبلة؟

الوعي الرقمي والتحول الاجتماعي

في المغرب، اشتعلت الشرارة بعد وفاة ثماني نساء أثناء الولادة في مستشفى الحسن الثاني بأغادير، فتحول الحزن إلى غضب جمعي على تدهور الصحة والتعليم واتساع الفجوات الاجتماعية، وتحول الغضب إلى حركة شبكية لا مركزية تقودها مجموعات شابة تجدد السياسة بمعجم جديد وأدوات جديدة. صار الديسكورد وهو منصة تواصل اجتماعي صوتية ومرئية ونصية غرفة عمليات وطنية، وتيك توك وإنستغرام قنوات تعبئة وانتشار خاطف، وتشابكت المدن في موجة احتجاجات طالبت بالعدالة الاجتماعية وربطت بين الملعب والمستشفى، ملاعب تشيد لنهائيات 2030 مقابل مصالح عامة متدهورة. وعلى وقع سقوط قتلى في القليعة قرب أغادير وتمدد المظاهرات في الرباط وسلا وفاس ومراكش، بدا للعلن أن ساحة الصراع لم تعد الشارع فحسب، بل صارت أيضا خوارزمية ومنصة ومجتمع شبكات واستجابات فورية.

ومع تصاعد الضغط، ظهر أثر الحركة على الخطاب الرسمي، دعا الملك محمد السادس إلى تسريع إصلاحات تحسن الخدمات وتقلص الفوارق وتستجيب لمطالب الشباب والعمل والعدالة المجالية، في إقرار بأن موجة Gen Z 212 ليست عارضة، بل ناقوس لتحول اجتماعي أعمق. هذه الاستجابة ، أي كانت حدودها التنفيذية ،تعترف بأن الشبكة صارت فاعل سياسي يفرض إيقاعه على الدولة، وأن فكرة التمثيل تمر اليوم عبر قنوات غير ممأسسة تقودها أجيال رقمية.

تشرين العراق والتحديات البنيوية

في المقابل، بدت تجربة تشرين العراقية قبل ست سنوات المعمل الأصعب لثورة الوعي في المنطقة. لقد خرجت حشود شبابية في بغداد والجنوب دفاع عن الكرامة وفرص العمل والخدمات، ورفض لفساد مزمن وتغول السلاح. واجههم العنف المفرط، رصاص وقنابل غاز قاتلة اخترقت جماجم المحتجين، وخطف واغتيالات وترهيب. وتم توثيق ذلك بتقارير حقوقية وأممية أكدت نمط من الاستخدام المميت للمقذوفات الغازية وتجاوزات جسيمة في تفريق التجمعات. هنا واجه الوعي الشبكي جدار من (الهندسة المضادة) ، عنف ميداني يحطم الجسد، وحملات تخوين تحاصر السردية. ومع ذلك، صنعت تشرين قاموسها ورموزها وأغانيها وأساليبها التنظيمية من خيام الساحات وقنوات التلغرام والبث الحي.

وحين فتحت صناديق الاقتراع المبكرة عام 2021 بوصفها استجابة مؤسسية لصدمة تشرين، تسلل جزء من روح الساحات إلى البرلمان عبر مستقلين وحركات جديدة كـ(امتداد) وأطياف شبابية أخرى حققت حضور رمزي مهم، لكن من دون قدرة على قلب موازين القوة البنيوية. فقد ظلت الكتل التقليدية الأكبر نفوذ، وجاءت نسبة المشاركة متدنية تاريخيا على وقع فقدان الثقة. هنا بدأت مفارقة تشرين، بعض من رفعوا شعاراتها ركبوا الموجة في نظر قطاعٍ من الجمهور، ودخلوا البرلمان على أكتاف الدم، ثم تخلوا عمليا أو رمزيا عن برنامجها التحرري حين اصطدموا بواقعية النظام وتوازنات المصالح والسلاح. إنها مفارقة تحويل الوعي الشبكي إلى سلطة تمثيلية داخل نظام لا تنطبق عليه قواعد التمثيل العادل.

الفارق البنيوي بين الحالتين أن المغرب يشهد اليوم تأثير شبكي مباشر على مركز القرار قبل تدويره عبر ممثلين حزبيين، بينما ذهبت روح تشرين إلى قناة تمثيلية عاجزة عن تحويل الزخم إلى إصلاحٍ بنيوي، لأسباب تتعلق بطبيعة النظام السياسي العراقي وتشابك الدولة العميقة وحدود احتكار العنف والمال والإعلام. بهذا المعنى، تقدم تجربتا المغرب والعراق منظورين متكاملين لفهم مصير ثورات الوعي، إما أن تفرض الشبكات إيقاعها على الدولة مباشرة تحت ضغط الشارع الرقمي/الفيزيائي، أو تمتص في مؤسسات تمثيلية يتفوق فيها القديم على الجديد ما لم يرافق الوعي بقدرة تنظيمية متينة واستراتيجياتِ صمود طويلة الأمد.

يبدو أننا أمام تحول معرفي أشبه بنقلة إبستمولوجية في كيفية تشكل الوعي السياسي لدى الأجيال الجديدة. فالمنصات لن تبقى مجرد أدوات نشر، بل ستغدو بنى تحتية للتمثيل الديمقراطي الجزئي، استطلاعات لحظية، غرف نقاش تصويتية، مساحات حية لصوغ المطالب وصقلها.

تشرين العراق وGen Z 212  المغرب تقدمان سرديتين متباعدتين بالزمن متجاورتين بالمفهوم، الأولى تحذر من أن الأنظمة قادرة على تدوير الوعي في قنوات تمثيلية فاقدة للفاعلية إن غاب التنظيم ، والثانية تقول إن الشبكة قادرة على نقل الاحتجاج مباشرة إلى عصب القرار.

وبينهما يترسخ مستقبل الوعي الشبابي، وعي متمسك بالملموس الاجتماعي، سريع التعلم، شديد الحساسية للكرامة والعدالة، يقيس السياسات بميزان الخدمة لا الشعارات، ويعيد تعريف السياسة بوصفها تعاون جماعي موزع يتشكل لحظيا ويطالب بنتائج قابلة للقياس. هذا الوعي ليس موجة، بل مناخ طويل الأمد، وإذا كانت كلفته في بغداد قد كتبت بالدم، فإن صوته في الرباط اليوم يكتب معادلة جديدةً لشرعية الأداء في عصر الخوارزميات. والراجح أن دول المنطقة، إن أرادت الاستقرار الحق، ستحتاج إلى التكيف مع هذا الجيل الذي يفاوض من شاشة في يده، ويعرف كيف يحول اللايك إلى لافتة، والهاشتاغ إلى شارع، والألم إلى وعي لا يعود إلى ما قبل الشبكة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *