في خطوة أثارت موجة من التساؤلات والجدل، أعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في العراق عن إطلاق منصة رقمية جديدة تحت اسم HEPIQ، يفترض أن تكون أداة رقمية مبتكرة لإدارة المواعيد الدراسية والشؤون الأكاديمية والإدارية في الجامعات العراقية، وتقدم بوصفها جزء من جهود التحول الرقمي في التعليم العالي.وهذه خطوة رائعة طالما انها تصب في مصلحة تطوير التعليم العالي ..
لكن ما كان يفترض أن يكون خطوة في طريق التحديث الرقمي تحول إلى فضيحة من العيار الثقيل بعد ان تابعت شخصياً الكشف عن تفاصيل الشركة التي طورت التطبيق والمبالغ المفروضة على الطلبة.
فقد ألزمت الوزارة الطلبة بدفع مبلغ 66 ألف دينار عراقي للحصول على التطبيق، المتوفر على منصات البيع في متاجر كوكول وابل .
المفارقة الكبرى أن الشركة المطورة للمنصة، بحسب السجل الرسمي البريطاني، هي ORANGEEY PRODUCTIONS LIMITED، المسجلة في بريطانيا تحت الرقم 11985346، ومقرها في عنوان C/O Mavani Shah & Co Amba House 2nd Floor, 15 College Road, Harrow, England, HA1 1BA.
وطبقاً للمعلومات الرسمية، فإن طبيعة عمل الشركة هي الأنشطة الاستشارية الإدارية، لا تطوير البرمجيات ولا إنتاج الأنظمة التعليمية. يديرها عقيل إبراهيم، وهو (محامي أردني) يقيم في الأردن، ومعه أحمد قيس حميد الطائي، وهو رجل أعمال يحمل جنسية (الدومينيكان). كما كان في الشركة شخصان آخران استقالا عامي 2020 و2021، هما مناف صبيح عبد القادر الشيخلي (رجل أعمال يحمل أيضاً جنسية الدومينيكان) لكنه عاد عام 2022 واصبح له السيطرة في الشركة بامتلاكه نسبة 75 بالمئة من اصولها ويقيم في الامارات العربية المتحدة وهو ايضا يمتلك شركة انتاج اغاني بنفس الاسم من ضمن مجموعة شركات اخرى لا علاقة لها بتطوير البرامجيات ، و(أمير نبيل صادق ) رجل أعمال عراقي.
أي أن الشركة ليست متخصصة إطلاقاً في تطوير التطبيقات الرقمية أو الأنظمة الأكاديمية، بل هي شركة استشارات إدارية محدودة النشاط! والسؤال البديهي، كيف تعتمد وزارة التعليم العالي العراقية شركة بهذه المواصفات لتطوير تطبيق يفترض أنه سيخدم مئات آلاف الطلبة وأساتذة الجامعات؟ أين ذهبت العقول العراقية المتخصصة في البرمجة وتطوير الحلول الرقمية، ومراكز البحث التقني في الجامعات؟ ألم يكن من الأولى دعم الشركات الوطنية العاملة في مجال التكنولوجيا والتعليم الرقمي؟
الدهشة تتحول إلى صدمة حين نكتشف أن الموقع الرسمي للشركة https://orangeey.com لا يمت بصلة إلى التعليم ولا إلى التكنولوجيا الأكاديمية، بل هو موقع شركة إنتاج فني وموسيقي ، الشركة نفسها تعلن صراحة أنها تعمل في مجال إنتاج الأغاني والمونتاج الموسيقي والفيديو كليبات، كما هو مثبت بوضوح على موقعهم الرسمي.
فما علاقة شركة أغاني ببيانات الطلبة العراقيين؟ وكيف يمكن أن تسلم معلومات حساسة تتعلق بالحياة الجامعية والأكاديمية إلى جهة لا علاقة لها بالتقنية، بل بمجال الفن والإنتاج الموسيقي؟ هل يعقل أن تتعامل وزارة بحجم وزارة التعليم العالي مع شركة كهذه دون أن تتحقق من خلفيتها أو من اختصاصها التقني؟
القضية لم تعد مجرد سوء اختيار تقني، بل تتعلق بـ سوء إدارة وغياب للشفافية والمساءلة، وربما تضارب مصالح أو شبهات فساد في إبرام العقد مع جهة لا تمتلك أي مؤهلات مهنية لتطوير أنظمة رقمية. إذ كيف يمكن أن نطمئن إلى أن بيانات الطلبة ( من أسمائهم إلى مواقعهم وتفاصيلهم الدراسية ) في أيدي آمنة؟
المفارقة المؤلمة أن العراق يمتلك خيرة المبرمجين ومهندسي البرمجيات الذين فاز بعضهم بجوائز دولية، وأن هناك شركات ناشئة عراقية أثبتت جدارتها في مجالات الذكاء الاصطناعي، وأمن المعلومات، وتطوير التطبيقات التعليمية. ومع ذلك، تتجاهل الوزارة كل ذلك لتتعاقد مع شركة موسيقية في دبي، يديرها محامي أردني، ويمتلكها رجال أعمال يحملون جنسيات غريبة عن السياق الأكاديمي.
إن ما جرى يستدعي تحقيق شفاف من هيئة النزاهة والرقابة المالية، ويستحق تدخل لجنة التعليم العالي في مجلس النواب لمعرفة كيف تم تمرير هذا العقد، وما المعايير التي اعتمدت في اختيار الشركة، وكيف تم تسعير التطبيق ليفرض على كل طالب مبلغ 66 ألف دينار.
فالتحول الرقمي لا يكون بفرض الجبايات على الطلبة ولا بالتعاقد مع شركات مشبوهة الهوية التقنية، بل بتأسيس بيئة وطنية للابتكار التقني، وبناء الثقة بين الجامعة والطالب عبر أدوات رقمية آمنة ومطورة محلياً.
اخطر ما في الموضوع انها بيانات!!، بيانات تتعلق بجامعاتنا وطلبتنا والبيانات الان سلعة مهمة يمكن ان تباع الى تطبيقات اخرى لا يعلم الا الله تابعة الى اي جهة.
بياناتنا يا عالم!..بيانات طلبتنا وجامعاتنا بيد شركة أغاني !!! ألا تعرفون أن الدول تحمي بياناتها كما تحمي ذهبها؟
التحول الرقمي لا يشترى من شركة أغاني، بل يبنى بعقول المهندسين العراقيين.
المرفقات صفحات سجل الشركة في بريطانيا رسميا..يمكن للملحقية الثقافية في لندن من التأكد منها ومتابعتها.


