عقوبات الخزانة الأميركية تهزّ قلب النظام المالي العراقي

عقوبات الخزانة الأميركية تهزّ قلب النظام المالي العراقي
تُحلّل المقالة تداعيات عقوبات OFAC الأخيرة ضد كيانات مصرفية عراقية مرتبطة بإيران، مبيّنة أثرها على السيولة بالدولار وثقة الأسواق، وداعية إلى استجابة فورية وشفافة من البنك المركزي والحكومة لتفادي خسارة المراسلات الدولية والاستقرار المالي....

تداعيات قرار الخزانة الأمريكية (OFAC) على الموقف المالي والاقتصادي العراقي

10 تشرين الأول / أكتوبر 2025 في 9 أكتوبر 2025 أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية (OFAC) حزمة تعيينات استهدفت شركات وأفرادًا عراقياً مرتبطين بـ(قوات الحشد/ميليشيات مدعومة من إيران)، بينها “Muhandis General Company” و”Baladna” وثلاثة قيادات مصرفية بارزة.

لهذه التعيينات آثار فورية على القنوات المالية بالدولار، على مصداقية بعض المصارف المحلية، وعلى عقود حكومية مرتبطة بالكيانات المصنفة، وتزيد من مخاطر خسارة الوصول إلى مراسلات مصرفية دولية.

مثال سابق: الحكومة/المركزي سبق وحرمت مصارف من التعامل بالدولار تحت ضغط جَرى تداوله علنًا بين بغداد وواشنطن.  العراق يملك احتياطات أجنبية كبيرة (حوالي 100 مليار دولار بحسب تقرير صندوق النقد 2024–2025)، بينما سجلت مبيعات البنك المركزي من العملة الأجنبية نحو ~35.2 مليار دولار في أول خمسة أشهر من 2025 (وحوالي 40.9 مليار دولار للنصف الأول). هذه الأرقام توضح أن سوق السلع المستوردة ونظام المدفوعات يعتمدان على سيولة الدولار التي قد تتأثر.

ما الذي قرّرته الخزانة عمليًا؟

  • OFAC أدرجت شركات (مثل Muhandis General Company وBaladna) وأفرادًا مصرفيين وقادة شبكات استخباراتية مرتبطة بـIRGC-QF/Kata’ib Hizballah، وأوضحت أن هذه الشبكات سَهّلت تحويلات وأموالاً وتهريب سلع وأسهمت في جمع معلومات ضد مصالح أمريكية

أثر قانوني مباشر: أصول الأشخاص/الكيانات المدرجة داخل الولايات المتحدة أو تحت سيطرة أشخاص/كيانات أمريكية تُحجز أو تُجمد، وأي معاملات لأمريكيين أو عبر النظام المالي الأميركي محظورة إلا برخصة صريحة. كما تُعلّق المخاطر على بنوكٍ أجنبية قد تتعامل مع المدرجين (خطر عقوبات ثانوية).

الآثار المالية المباشرة والمتوسطة

سيولة الدولار وعمليات المدفوعات الخارجية

مبيعات البنك المركزي من العملات الأجنبية (قنواته الرسمية لتمويل الواردات والتحويلات) بلغت ~$35.201 مليار في أول 5 أشهر من 2025، و**$40.904 مليار** للنصف الأول، بحسب إحصاءات المركزي المنشورة لدى وسائل الإعلام وCBI.  أيّ تشوه في قنوات التحويل بالدولار سيؤثر مباشرة على هذه الحُجوم.

احتياطيات صافية/شاملة لدى العراق تقدر بـ حوالي $100.3 مليار وفق سجلات صندوق النقد (Gross reserves) — هذا يوفر هامشًا محدودًا لكنه ليس منيعًا أمام صدمات كبيرة في قدرة المصارف على الوصول للدولار عبر المراسلات.

مخاطر على المصارف وعلاقات المراسلة

سبق وجرى فرض حظر عملي (أو تهديد بحظر) على مصارف عراقية من التعامل بالدولار كأداة ضغط/امتثال؛ هذا السيناريو يتكرر كلما رُصِدت قنوات للتبييض أو إمداد شبكات إيرانية بالدولارات.

الحظر يضيق قدرة هذه المصارف على إتمام استيراد/تصدير عملاءها ويدفعها لتحويل التعاملات إلى عملات أخرى أو استخدام قنوات موازية أغلى.

أثر على عقود الحكومة والإنفاق الرأسمالي

طبقًا لبيان OFAC، شركات (مثل Muhandis) كانت متورّطة في اقتناص عقود حكومية والبحث عن إيرادات منها؛ إدراجها يعني مخاطر تعثر تنفيذ مشاريع ممولة أو تأخّر استلام مدفوعات دولية لعقود مرتبطة بتلك الشركات، كما قد يفتح تحقيقات محلية ودولية ومطالبات استرداد.

أثر على ثقة الأسواق والمستثمرين

  • زيادة مخاطر الامتثال (compliance risk) ووجود أسماء مصرفية على لائحة SDN يرفع تكلفة الاكتتابات والاقتراض ويدفع المستثمرين الأجانب لإعادة تقييم المخاطر السياسية والتمويلية في العراق.

عن “صمت” البنك المركزي ومكتب مكافحة غسل الأموال

  • حتى تاريخ 10/10/2025 لا يوجد بيانٍ رسمي موازٍ من موقع البنك المركزي العراقي أو صفحة الأخبار الرسمية يردّ مباشرة على إجراءات OFAC الصادرة في 9/10/2025. (صفحة الأخبار/الإعلانات في موقع CBI
  • بالمثل، موقع مكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب (AMLO) لا يظهر بيانًا عامًا يرد على الإجراءات الأمريكية ذاتها حتى تاريخ الفحص. هذا الفراغ الإعلامي يُفهم منه عدم صدور ردّ علني فوري عن الجانبين

لماذا قد يكون هناك “صمت عملي/رسمي”؟

1.حساسية سياسية: أي ردّ مباشر قد يُفسَّر داخليًا/إقليميًا سياسياً ويزيد التوتر مع فصائل أو كيانات نافذة.

  1. حاجة لتنسيق دولي: المركزي/AMLO قد يكونان في اتصالات غير علنية مع الولايات المتحدة (تبادل معلومات/خطط تدرُّجية للتدابير التصحيحية) — ولذلك تأخير البيان العام.
  2. مخاوف قانونية/إجرائية: وجود تحقيقات داخلية أو قضائية يتطلّب عدم الإعلان إلى حين الانتهاء من إجراءات تثبيت الأدلة.
  3. ضعف قدرات التواصل/PR في حالات الأزمات: ضعف الرسائل الرسمية يزيد من الفراغ المعلوماتي ويترك المجال لوسائل الإعلام والتأويل.

المخاطر العملية التي يجب أن يراعيها صانعو القرار

  1. مخاطر انقطاع قناة الدولار: نسبة الواردات التي تعتمد على تعامُلات الدولار عبر النظام المصرفي الرسمي (مؤشرات: حجم مبيعات CBI بالدولار، عدد الحوالات المرفوضة من قبل بنوك المراسلة). مؤشر مراقبة: تغيير شهري في مبيعات CBI بالدولار (مثلاً: الانخفاض من $40.9B في H1 إلى مستوى أدنى سيقاس بالفرق المطلق.
  2. خطر فقدان مراسلة بنكية (correspondent banks): عدد المصارف الممنوعة أو التي قلّت مراسلاتها بالدولار. مؤشر: عدد حسابات المراسلة النشطة قبل/بعد القائمة. (راجع حوادث حظر بنوك عراقية سابقة).
  3. تعطّل مشاريع حكومية: قيمة العقود المعرَّضة (يجب أن تُحصَى فورًا — عقود Muhandis/Baladna مع الجهات الحكومية). مؤشر: مجموع المدفوعات المتأخرة أو المتوقفة بسبب إدراج الكيانات.
  4. مخاطر امتثال دولي: تقييم FATF/MENAFATF يظهر ثغرات تتعلق بالفاعلية في مكافحة غسل الأموال بالعراق — ما يجعل الضغوط الدولية على بغداد أكثر حسماً.

توصيات عملية قابلة للتنفيذ

توجيه موجز للجهات المختصة: CBI — وزارة المالية — مكتب مكافحة غسل الأموال — المصارف — الجهات الرقابية

  1. إصدار بيان رسمي موحّد وشفاف (CBI + وزارة المالية + AMLO) يوضح الإجراءات الوقائية التي ستُتخذ، ويؤكد التعاون مع شركاء دوليين وحرص العراق على الامتثال. (المخاطر الإعلامية من الصمت أكبر من الرد المنظّم).
  2. فصل ومراجعة العقود الحكومية: تعليق المدفوعات/التعاقدات الجديدة التي تخص الكيانات المدرجة، وتعيين فريق تدقيق جنائي (forensic audit) لرفع تقارير مالية مفصّلة عن عقود Muhandis وBaladna. مقياس: قيمة العقود التي تُراجع (IQD / USD).
  3. تجميد فوري للحسابات المشبوهة والتبليغ عنها: على المصارف تقديم تقارير المعاملات المشبوهة (SARs) ورفعها إلى FIU/AMLO، ومعالجة أي صلات مباشرة إلى المدرَجين. مقياس: عدد SARs المتعلقة بالكيانات المصنفة.
  4. اتصال فني وسياسي مع OFAC وFinCEN/الخزانة الأمريكية: طلب معلومات تفصيلية/قوائم مرجعية للتعامل مع تبعات العقوبات وطلب أذونات استثنائية (licenses) حيث يلزم لتسيير أمور إنسانية/حيوية.
  5. حماية قنوات الدولار القابلة للحياة: ترسيخ اتفاقيات مع بنوك مراسلة شفافة، تحسين KYC/AML وطلب تقييم طرف ثالث لمخاطر المراسلة. مقياس: عدد المراسلات المقبولة شهريًا، ومعدل الرفض.
  6. خطة اتصالات عامة واستعادة الثقة: نشر تقارير مرحلية عن التحقيقات، واعتماد خارطة طريق لمكافحة التبييض وملكية المنافع الحقيقية (beneficial ownership registry) استنادًا إلى توصيات FATF. مقياس: نشر سجل المالكين المستفيدين وبرامج تدريبية مذكورة في خطة الإصلاح
  7. التعاون مع المؤسسات الدولية: إشراك IMF وWorld Bank وFATF لطلب مساعدة تقنية (AML/CFT)، وضمان أن أي إجراءات داخلية تُثبت الجدية وتقلّل خطر عقوبات ثانوية على مؤسسات عراقية سليمة

ماذا يجب أن يتوقع السوق

  • فورًا: ضغوط على سيولة الدولار لبعض البنوك أو الشركات المرتبطة بالمدرَجين، وارتفاع مؤقت في تكاليف التحويل وفرض قيود أشد على مستندات المنشأ والفواتير.
  • متوسط الأجل: إعادة هيكلة العلاقات المراسلة، احتمالية تراجع بعض الاستثمارات الأجنبية القصيرة الأجل، واحتياج الحكومة لتسريع الإصلاحات المالية لإقناع الشركاء الدوليين

إجراءات OFAC في 9 تشرين الأول/أكتوبر 2025 تحمل طابعًا استراتيجيًا موجهًا لقطع خطوط تمويل ودعم لميليشيات مرتبطة بإيران، لكن التداعيات المحلية على النظام المالي العراقي تعتمد كثيرًا على ردّ فعل المؤسسات العراقية (CBI وAMLO والوزارة) وعلى سرعة ووضوح الخُطوات الإصلاحية والشفافية. الصمت الرسمي — إن استمر — يزيد من المخاطر التصعيدية (فقدان ثقة المراسلات، تشدد الشركاء الدوليين، اضطرابات في تمويل الواردات). التنفيذ العاجل لخطة عملية مكوّنة من (تجميد/تدقيق/تواصل دولي/تعزيز AML) سيقلّل الأضرار ويعيد ثقة السوق الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *