الدوافع السياسية والاقتصادية لدخول الشركات الأمريكية
عودة شركات النفط الأمريكية الكبرى للعمل في قطاع النفط العراقي، هي عودة تحمل دلالات قد تؤدي لنتائج معقدة تحتاج الحكومة العراقية التعامل معها مبكراً!
فالشركات النفطية الأمريكية ذات علاقات مباشرة مع مراكز صنع القرار الأمريكي عبر مراكز ضغط ولوبيات وعلاقات عامة تضمن لها دعم سياسي مستمر داخل وخارج الولايات المتحدة، ويكون تواجد تلك الشركات خارج الولايات المتحدة مصحوباً غالباً برغبة وبدعم رسمي أمريكي!
لذلك عودة تلك الشركات للعراق يمكن اعتبارها انها عودة بدوافع سياسية أكثر منها اقتصادية، قد تفتح المجال لتقوية العلاقة العراقية الأمريكية، وتضمن زيادة دعم الولايات المتحدة للمنظومة السياسية العراقية!
إقتصادياً، فإن دخول شركات مثل ExxonMobil، Chevron، أو Halliburton عادة لا يقتصر على الاستثمار المحلي في استكشاف وانتاج النفط، بل يشمل شبكات التوريد والتصدير المرتبطة بها دولياً!
فالشركات الأمريكية لديها عقود بيع طويلة الأمد مع مصافي ومشترين حول العالم، وهذا يعني أن جزءًا من النفط العراقي قد يُسوق عبر قنوات جديدة، مما يوسّع قاعدة المشترين للنفط العراقي!
وغالبًا ما تقوم الشركات النفطية الأمريكية بدمج دولة الانتاج ضمن منظومة مبيعاتها العالمية، ما يسمح بتحريك الشحنات بمرونة، وهو ما يزيد من قدرة العراق على الوصول إلى أسواق متنوعة وجديدة دون الحاجة للتفاوض المباشر مع كل زبون!
كما ويساهم دخول الشركات النفطية الأمريكية الى تعزيز ثقة الأسواق والمؤسسات المالية الدولية بالقطاع النفطي العراقي، ويخفض ما يسمّى بكلفة مخاطر البلد (Country Risk Premium) في التسعير والعقود، وهذه مسألة ضرورية للقطاع النفطي العراقي!
تحديات الاستقلالية والسيطرة العراقية
لكن في المقابل، فإن الشركات النفطية الأمريكية تميل إلى التحكم في تسويق النفط المنتج، مما قد يقلل من استقلالية العراق وقدرة سومو التسويقية ويحوّل العراق إلى مجرد مُنتِج او مورّد جانبي ضمن سلسلة الطاقة الخاصة بتلك الشركات الأمريكية!
لذلك من المهم جداً إن تُبنَ الشراكة بين العراق والشركات النفطية الأمريكية على أسس سليمة متوازنة تضمن السيادة والشفافية، وان يكون هناك تكامل عراقي أمريكي في سلسلة القيمة للنفط، كأن يكون هناك نقل للتكنولوجيا والاستثمار المشترك في التكرير وصناعات البتروكيماويات، أو البنية التحتية النفطية، واستغلال الغاز وغير ذلك من عمليات التوسع العامودي!
مع دخول الشركات النفطية الأمريكية، يصبح من الضروري أن توازن الحكومة العراقية بين جذب الاستثمار وتعزيز الثقة الدولية، وبين الحفاظ على استقلالية سياسات التصدير والتسعير. يجب التأكد من أن العقود تشمل نقل التكنولوجيا والاستثمار في البنية التحتية المحلية، وليس مجرد تسويق النفط عبر قنوات الشركات الأجنبية. أي غياب لهذه الضوابط قد يحوّل القطاع النفطي العراقي إلى تابع اقتصادي ويقلّل المكاسب الحقيقية للبلاد.
عدا ذلك فإن تلك العلاقة مع الشركات النفطية الأمريكية يمكن ان تصبح علاقة (تبعية اقتصادية) لا تضيف قيمة حقيقية او استثنائية لقطاع النفط العراقي، ولن يتعدى المكسب الحقيقي للعراق حينها على الحصول فقط على دعم سياسي أمريكي، مقابل المكاسب الاقتصادية الكبيرة التي ستحققها الشركات الأمريكية على حساب النفط والاقتصاد العراقي!


