العراق بين نفوذ الجيران وصمت الإعلام: لماذا يتكلم الآخرون بلغتنا ولا نتكلم بلغاتهم؟”

العراق بين نفوذ الجيران وصمت الإعلام: لماذا يتكلم الآخرون بلغتنا ولا نتكلم بلغاتهم؟”
يعاني العراق من اختلال التوازن الإعلامي مع إيران وتركيا، حيث يتحدث محللو الجوار بلغته وعلى شاشاته، بينما يفتقر العراق لقنوات وخبراء يخاطبون شعوب الجوار. يتطلب الحل مشروعًا إعلاميًا وطنيًا واستثمارًا مستمرًا في الكفاءات الشبابية والمحلية....

في السنوات الأخيرة، أصبح المشهد السياسي والإعلامي في العراق ساحة مفتوحة لنفوذ دول الجوار، خصوصًا إيران وتركيا. كلا البلدين لا يكتفيان بترتيب أوراقه داخليًا، بل يمدّان نفوذهما إعلاميًا وفكريًا عبر قنوات ناطقة بالعربية، يستضيفان محللين ومسؤولين يتحدثون للجمهور العراقي مباشرة، ويدافعون عن سياساتهم بجرأة، وينتقدون الوضع العراقي دون أي ردة فعل مقابلة.

اللافت أن هذه الأصوات لا تأتي من قنواتهم وحدها، بل من القنوات العراقية نفسها؛ حيث يجلس المحلل أو المسؤول الإيراني والتركي على مقاعد برامج حوارية سياسية عراقية، ويتحدث بالعربية بطلاقة، ويوجّه النقد لسياسات العراق من داخل منابره الإعلامية. هذا المشهد يعكس خللاً واضحًا في التوازن الإعلامي والسياسي بين العراق وجيرانه.

في المقابل، لا نجد محللين عراقيين على الشاشات الإيرانية أو التركية يتحدثون بلغاتهم ويدافعون عن الموقف العراقي الوطني، ما يجعل الصورة أحادية الاتجاه: الآخر يتكلم إلينا بلغتنا ومن داخل شاشاتنا، ونحن لا نتكلم إليه بلغته ولا من داخل شاشاته.

السبب لا يكمن في القوة الفطرية لهذه الدول بقدر ما يكمن في امتلاكها مشروعًا سياسيًا واستراتيجية إعلامية متكاملة. إيران تدير قنوات بالعربية وتستثمر في مراكز أبحاث ومترجمين ومحللين يعرفون الجمهور العراقي عن قرب. تركيا أطلقت “TRT عربي” وغيرها من المنصات التي تصل إلى المتلقي العربي مباشرة. في المقابل، العراق لا يمتلك قنوات بالفارسية أو التركية، ولا يهيئ محللين يجيدون لغات الجوار للظهور على شاشاتهم والدفاع عن مصالحه الوطنية.

كما أن الانقسام الداخلي العراقي — سياسيًا وطائفيًا — ساهم في إضعاف الموقف الإعلامي الوطني. فلا يوجد خطاب عراقي جامع يفرض نفسه في الخارج، بينما تمتلك إيران وتركيا رواية موحدة يلتزم بها كل متحدث رسمي أو محلل.

إن الحل يبدأ من بناء مشروع إعلامي عراقي حقيقي:

  • إطلاق قنوات ناطقة بلغات الجوار (فارسية، تركية، إنجليزية).
  • تدريب محللين على الدفاع عن مصالح العراق على شاشات الآخرين.
  • إنشاء مراكز أبحاث ودراسات تضع استراتيجية إعلامية وطنية.
  • تبنّي خطاب وطني جامع لا يترك فراغًا للآخرين لملئه.

كما أن تعزيز القدرات الإعلامية للعراق يحتاج إلى استثمار مستمر في الشباب والكفاءات المحلية، من خلال تدريبهم على استخدام وسائل الإعلام الحديثة وفنون التحليل السياسي. ويجب دعم المبادرات الإعلامية المستقلة التي تقدم محتوى وطنيًا يعكس مصالح العراق ويوازن الروايات الخارجية. كذلك من المهم خلق شراكات مع مؤسسات تعليمية وإعلامية عالمية لتبادل الخبرات ورفع مستوى المهنية. كل ذلك يسهم في بناء صورة عراقية قوية وموحدة أمام جمهور الجوار والدولي.

حينها فقط يستطيع العراق الانتقال من مرحلة ردّ الفعل إلى الفعل، وأن يفرض نفسه لاعبًا إعلاميًا حقيقيًا في المنطقة، لا مجرد ساحة لتنافس الآخرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *