كيف ولماذا وافقت حماس على بنود ترامب

كيف ولماذا وافقت حماس على بنود ترامب
حماس قبلت بعض بنود المقترح الأمريكي لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، مع تحفظات على نزع السلاح ودورها في الحكم، مستجيبة لضغوط سياسية وعسكرية وإنسانية، وموازنة بين المكاسب التكتيكية والحفاظ على تأثيرها الاستراتيجي الفلسطيني....

مقدمة: ما هو المقترح وما قبوله الجزئي

في خضم الحرب في غزة الممتدة منذ أكتوبر 2023، قدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقترحًا من 20-بندًا، مدعومًا من إسرائيل وبعض الدول العربية، يهدف إلى:

  • وقف فوري لإطلاق النار،
  • تبادل الأسرى/المحتجزين،
  • انسحاب إسرائيلي تدريجي من غزة،
  • تشكيل إدارة مؤقتة فلسطينية من تكنوقراط تحت إشراف دولي.

حماس أعلنت قبولها بعض العناصر من المقترح، مثل تحرير كل الأسرى المتبقين بحسب ما تضمنه المقترح، والتنازل عن السلطة وإفساح المجال لإدارة مؤقتة تكنوقراطية، لكن مع تحفظات كبيرة على نقاط أخرى، وعلى رأسها مسألة نزع السلاح وعدم دورها المستقبلي في الحكم، وكذلك الضوابط والشروط التي تضمن تنفيذ المقترح.

لماذا قبلت حماس هذا المقترح جزئيًا؟ العوامل والدوافع

عدة عوامل دفعت حماس إلى القبول الجزئي أو إظهار استعداد للمفاوضة بناءً على المقترح:

1.الضغوط العسكرية والسياسية

بعد أكثر من عامين من الحرب، تكبدت حماس خسائر كبيرة، والميدان بات صعبًا من الناحية العسكرية، مع تراجع كبير في قدرة الحركة على مواصلة العمليات بنفس المكاسب. الضربات الإسرائيلية مستمرة، والمجتمع الدولي وضغوط الدول العربية والإسلامية باتت تتجه نحو إنهاء الصراع.

2.العزلة الدولية والرغبة في تحييد بعض العوامل السلبية

قبول بعض بنود المقترح يعطي فرصة لحماس لتظهر بمظهر المؤسّس على التفاوض، وليس كطرف مروّع فقط، مما قد يُحسّن من وضعها الدبلوماسي، ويساعد في كسب دعم عربي ودولي من أجل تخفيف الحصار، السماح بوصول مساعدات، وإعادة إعمار غزة.

3.الدافع الإنساني والإعلامي

مع تزايد الخسائر المدنية والمعاناة الإنسانية، هناك ضغوط كبيرة من الداخل الفلسطيني والعالم الخارجي لإنهاء القتال. الضغط الإعلامي والإنساني قادر على التأثير في مزاج السكان وكذلك في قرارات القادة. قبول تحرير الأسرى مثلاً خطوة رمزية كبيرة تُظهر استعدادًا للتضحية من أجل شعبها.

4.مراعاة الضغوط من الدول العربية والإسلامية والوسطاء

دول مثل مصر وقطر والأردن وغيرها تمارس ضغوطًا على حماس لقبول المبادرات والتسويات. هذه الدول لا تريد تصعيدًا إضافيًا أو انهيارًا إنسانيًا كاملاً قد يُلقي بظلال كبيرة على استقرارها الإقليمي والعلاقات الدولية. حماس تحتاج إلى ضمانات من هذه الدول لدعمها خلال تنفيذ أي اتفاق.

5.عدم وجود بدائل أفضل واضحة

قد ترى حماس أن خياراتها المحدودة في الوقت الراهن تجعل من قبول المقترح الجزئي أفضل من الاستمرار في المواجهة من دون انتصار مباشر واضح، ومن دون قدر كبير من الدعم الدولي أو قدرات عسكرية تلفت الأنظار. وبما أن بعض الشروط التي ترفضها يمكن التفاوض حولها وفقًا لما ورد في تصريحاتها، قد يعتبرون أن القبول الجزئي مع التحفظات هو خطوة ذكية في انتظار تحسين الشروط.

كيف قبلته حماس – الأسلوب والضوابط والتعديلات

حماس لم تُقبل المقترح كما هو دون تحفظ؛ بل قامت بما يلي:

  • قبول مبدأ إطلاق سراح جميع الأسرى والمفقودين وفقًا للصيغة المعرضة في المقترح، بشرط توفر “الظروف الميدانية اللازمة”.
  • استعداد لنقاش التفاصيل عبر وسطاء: مصر، قطر، والأمم المتحدة. أي أنها لم تُغلق الباب أمام النقاش بل وضعت “مشاورات” كشرط لقبول بعض البنود.
  • قبول مبدأ فصل السلطة أو التنازل عن السلطة التنفيذية في غزة نحو إدارة تكنوقراطية مؤقتة، لكن مع تأكيد أن هذا يتم “بناء على إجماع فلسطيني” وأن لها دورًا مؤثرًا في العملية الوطنية، مما يعني أنها لا تنوي التخلي الكامل عن نفوذها دون ضمانات.
  • تحفظ واضح على مسألة نزع السلاح بالكامل ودور مجلس السلام الدولي أو إشراف دولي غير فلسطيني كامل على غزة، وهو ما اعتبره بعض قادتها مخالفة لمبدأ السيادة أو لتاريخ المقاومة. رفضهم الواضح لأي جهة غير فلسطينية تسيطر على الفلسطينيين على حد تعبيرهم.

المخاطر والتحديات التي تواجه حماس إذا أتمّت القبول

رغم القبول الجزئي، هناك عدة مخاطر وتحديات تواجه الحركة:

1.المسألة الأمنية والميدانية

نزع السلاح أو تقييده بقد يُؤثر على قدرات الحركة العسكرية، مما يضعفها إذا لم تُوفَّر ضمانات أمنية واضحة.

2.الجدية والشفافية في التنفيذ

الاتفاقيات والمقترحات السياسية غالبًا ما تُبقى مطاطة في البنود التنفيذية—مثل «معايير وتوقيتات الانسحاب»، وكيفية الإشراف، من سيضمن التنفيذ؟ حماس ترغب في ضمانات قوية.

3.الخلافات الداخلية والفصائل الفلسطينية

أي اتفاق لا ينعكس بموافقة الفصائل والمكونات الفلسطينية الأخرى قد يجلب انقسامات سياسية، وقد يُتهم بعض الأطراف بالخيانة أو التنازل. ولذلك طلبت حماس “إجماعًا فلسطينيًا”.

4.الموقف الإسرائيلي ورفض بعض الشروط

إسرائيل طالبت بمسائل مثل نزع السلاح وعدم إشراك حماس مستقبلاً في الحكم، وقد ترفض بعض التفاصيل التي تطالب بها حماس كشرط مسبق. عدم التزام إسرائيل الكامل بالشروط أو تغييره حسب الظروف قد يؤدي إلى إلغاء أو تجميد الاتفاق.

5.الضغوط من المجتمع الدولي والرأي العام

رغم أن هناك دعمًا لمقترحات وقف إطلاق النار وتحسين الوضع الإنساني، فإن بعض الدول والمجموعات تعتبر بعض البنود غير كافية أو مهددة لمبادئ الحقوق الفلسطينية الأساسية (فلسطين 1967، حق العودة، القدس…). ذلك قد يُولّد انتقادات داخلية وخارجية تؤثر على قدرة حماس على الالتزام بالكامل.

خلاصة: هل القبول تكتيكي أم استراتيجي؟

من التحليل يبدو أن قبول حماس بهذا المقترح جزئيًا هو مزيج من عناصر تكتيكية واستراتيجية:

  • تكتيكي، لأنه يعطيها فرصة لالتقاط أنفاس، لإعادة بناء بعض النفوذ السياسي والدبلوماسي، وربما لتخفيف الحصار ومعاناة المدنيين، وحماية ما تبقى من قدراتها.
  • استراتيجي، لأنها تحاول أن تظهر نفسها كطرف لا يُمكن تجاهله، وأنها مستعدة للمفاوضة بشرط أن تُحترم حقوق الفلسطينيين، وأن لا يُلغي وجودها السياسي بالكامل بدون ضمانات.

أي أن قبولها بنودًا معيّنة ليس استسلامًا، بل محاولة لموازنة بين ما هو متاح تحت الضغط وبين الحفاظ على الحد الأدنى من القدرة على التأثير.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *