متى نعيد للإعلام هيبته

متى نعيد للإعلام هيبته
يشهد الإعلام العراقي تراجعًا مهنيًا خطيرًا بفعل الولاءات الحزبية وفقدان الرقابة الأخلاقية، مما أفقده هيبته ومصداقيته. الإصلاح يتطلب ميثاق شرف ومحاسبة عادلة لإعادة بناء الثقة ودعم الإعلام الحر المسؤول عن وعي المجتمع....

بحزنٍ وألم، يشهد المشهد الإعلامي اليوم حالة من التخبط والانحدار. فقد تراجعت المعايير المهنية والأخلاقية، وغابت رسالة الإعلام الحقيقية التي كانت تقوم على التثقيف وكشف الحقائق، وتحولت المنابر الإعلامية إلى أدوات للتصفية السياسية والشخصية، بسبب الولاءات الحزبية التي شغلت الشارع وعمّقت الانقسامات داخله.

الإعلام بين الانتماء الحزبي وفقدان الرسالة

لقد بات الإعلام اليوم مرآةً مشوهة للمصالح الحزبية الضيقة. فالانتماءات السياسية أصبحت معيارًا لتوظيف المذيعين والمحررين والمراسلين، حتى فقدت الرسالة الإعلامية توازنها. ومع تضاعف نفوذ الأحزاب على المؤسسات الإعلامية، تحولت الشاشات إلى منصات للدعاية والتسقيط، بدلاً من أن تكون فضاءات للنقاش والتنوير. بينما انشغل قسم آخر من الإعلام بإنتاج محتوى ترفيهي فارغ لا يلامس هموم الناس ولا يعبّر عن معاناتهم اليومية، فغابت الرسالة الوطنية لصالح اللهو السطحي.

غياب الرقيب المهني وفقدان الثقة

ومع غياب الرقيب الذاتي والخلقي، وتراجع أخلاقيات المهنة، أصبحت المعلومة سلعة رخيصة تُتداول دون تحقق أو مسؤولية. الأخبار تُنشر بسرعة، وتُحذف بسرعة، وتُعاد صياغتها بما يخدم أجندات معينة. هذا الانفلات أفقد الجمهور ثقته بالإعلام، وخلق فجوة واسعة بين المتلقي والرسالة. لم يعد المشاهد يصدق ما يُعرض على الشاشات أو يُكتب في المواقع، لأن الأكاذيب المتكررة والمبالغات صارت القاعدة لا الاستثناء.

ضياع البوصلة الإعلامية

يؤكد المختصون أن الإعلام فقد هيبته يوم فقد بوصلته، حين استبدل الموضوعية بالتحيّز، والمهنية بالمجاملة، والرسالة بالمصلحة. فبدلاً من أن يكون الإعلام سلطة رابعة تراقب وتحاسب، أصبح تابعاً لمراكز القوى السياسية والاقتصادية. استعادة الهيبة – كما يشير الخبراء – لا يمكن أن تتم إلا عبر إصلاح شامل يبدأ من التعليم الإعلامي نفسه، بتخريج جيل جديد من الصحفيين يعي معنى الحرية والمسؤولية، ويمرّ عبر المؤسسات الإعلامية التي عليها أن تعيد النظر في سياساتها التحريرية وأهدافها.

ميثاق شرف ومحاسبة عادلة

الإصلاح الحقيقي يتطلب أن تضع المؤسسات الإعلامية ميثاق شرف مهني يضمن محاسبة المسيء ومكافأة الملتزم، بحيث لا يكون الإعلام فوضى بلا ضوابط. كما يجب أن تتدخل الدولة، لا لتكميم الأفواه، بل لتوفير بيئة قانونية عادلة تضمن حرية التعبير المسؤولة وتحمي الصحفيين المهنيين من الضغوط السياسية والاقتصادية. ومن المهم أن تُدعَم المؤسسات الوطنية الجادة التي تلتزم بالمهنية وتضع المصلحة العامة فوق المصالح الخاصة.

بين الهيبة المفقودة والمحتوى الهابط

ويبقى السؤال المؤلم: متى نعيد للإعلام هيبته؟
الجواب يبدأ حين يدرك الإعلامي مسؤوليته تجاه وطنه ومجتمعه، ويتحرر من لغة الابتذال والتهريج. عندها فقط يمكن أن نستعيد هيبة الكلمة ونرفع من جديد راية الإعلام الشريف الذي يبني ولا يهدم، يوجّه ولا يضلّل، ويقول الحقيقة مهما كانت مرة.

لكن الواقع اليوم مختلف. فما زال الإعلام العراقي يعيش تحت وطأة المتسلطين والمتنفذين الذين يمارسون شتى الضغوط في سبيل استبدال الواقع الحقيقي بالمزيف. الإعلام لا ينقل ما يدور في الشارع، بل يكتفي بترديد تصريحات رئيس كتلته أو حزبه، وكأن البلاد لا تضم سوى ساسة متحدثين باسم أنفسهم. أما الشارع العراقي، فقد تُرك غارقاً في فوضى منصات التواصل الاجتماعي التي تحولت إلى مأوى لصنّاع المحتوى الهابط، الذين يلهثون وراء الشهرة على حساب الذوق العام والعقل الجمعي.

نحو إصلاح الخطاب الإعلامي

لذلك، لا بد من وضع حدّ حقيقي لهذه الفوضى الإعلامية التي تهدد الوعي الجمعي للمجتمع. يجب أن تكون هناك رقابة مهنية واعية، لا رقابة قمعية، تردع الانحراف وتمنع المحتويات الهابطة من السيطرة على الفضاء العام. فالإعلام ليس سلعة ترفيهية بل رسالة وطنية. وإذا لم تُستعاد هذه الرسالة قريباً، فإن الأجيال الجديدة ستنشأ على محتوى مشوّه، وستفقد الثقة بالكلمة وبمن يحملها.

حين يدرك الإعلامي أن قلمه أمانة وصوته مسؤولية، وحين تتحرر المؤسسات من نفوذ المال والسياسة، يمكن عندها فقط أن نقول إننا بدأنا أولى خطوات استعادة الهيبة. فالإعلام الحرّ هو الذي يعيش مع المجتمع، ينقل معاناته بصدق، ويضع هموم الناس فوق كل اعتبار. عندئذ فقط يمكن أن ينهض الإعلام من جديد، ويعود إلى مكانته الطبيعية كصوت للحقّ والوعي والبناء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *