بين التصعيد الخارجي والفوضى الداخلية وهاجس الاغتيالات: متى تنفجر الأزمة العراقية؟

بين التصعيد الخارجي والفوضى الداخلية وهاجس الاغتيالات: متى تنفجر الأزمة العراقية؟
العراق يواجه مرحلة حرجة بسبب هشاشة النظام السياسي، التعدد الأمني، الاعتماد على النفط، والتهديدات المباشرة للقيادات السياسية والمقاومة، ما يخلق احتمالات تصعيد متنوع من احتجاجات محدودة إلى صراع واسع قد يشمل تدخلات إقليمية....

مع اقتراب فصل الشتاء واقتراب موعد الانتخابات النيابية وتحوّل المشهد الإقليمي بصورة سريعة، يدخل العراق مرحلة من التوترات المتراكمة التي قد تتحوّل إلى شرارة لاحتدام صراع كبير.

ولا يقتصر الخطر على الاحتجاجات التي يخطط لها في غرف السفارات أو الضغوط الاقتصادية التي تأتي في هذا السياق، بل يلوح معها شبح الاغتيالات المتوقعة كخطر فعلي يهدد القيادات السياسية وفصائل المقاومة.

هذا التهديد المستجد، مدعوما بتحركات إقليمية وتصريحات علنية مثل تهديد نتنياهو لقادة الفصائل العراقية، يعيد صياغة الموازين، ويجعل العراق الحلقة الأضعف في خارطة التصارع الإقليمي.

فهل تتجه الأوضاع نحو انفجار واسع، أم تبقى المواجهة محصورة في حدود التصعيد المحتمل؟

• بنية هشة ونظام سياسي متصارع

منذ 2003، لم تستطع الاحزاب الحاكمة أن تفرز مشروعا وطنيا يجمع الأطراف، بل انشأت سلطة مبنية على التقاسم والمصالح الشخصية وهيمنت على مفهوم الدولة.

وفي ظل تباين الولاءات وتحالفات الخارج، تبرز هشاشة الشراكة السياسية واختلاف المرجعيات، مما يترك مساحة مريحة لأي طرف خارجي أو داخلي لتحريك الشارع أو استثمار الفراغ.

•تعدد مراكز القوة

لا تمتلك الدولة العراقية حصرا حقيقيا للسلاح، بل تتعايش فيها القوات النظامية مثل الجيش والحشد، مع المقاومة، العشائر، والبيشمركة في كردستان.

هذا التعدد الأمني يجعل أي اختلاف سياسي قابل للتحوّل إلى اشتباك مسلّح دون قدرة واضحة للدولة على احتوائه أو ضبطه.

•اقتصاد ريعي هش

اعتماد العراق شبه المطلق على النفط، يجعله عرضة للتذبذبات الدولية والصراعات الاقليمية.

الاتفاق الأخير بين بغداد وإقليم كردستان لاستئناف تصدير النفط بعد توقف دام أكثر من عامين أعاد بعض التوازن، لكنه ما زال يواجه عراقيل تتعلق بمتأخرات مالية كبيرة لدى الشركات الأجنبية.

وفي الوقت ذاته، تعرّضت بعض الحقول النفطية في كردستان لهجمات بالطائرات المسيّرة، ما زاد من هشاشة البنية التحتية.

دخول الشتاء يزيد العبء على منظومة الكهرباء والخدمات، ويرفع احتمالية اندلاع موجات احتجاج جديدة مع تصاعد الأزمات المعيشية.

•ساحة النفوذ وتحالفات متداخلة

ينظر إلى العراق اليوم كساحة صراع بين النفوذ الإيراني والأمريكي والإسرائيلي، مع تدخلات تركية خليجية في شمال وغرب البلاد.

التصريحات الأخيرة لبنيامين نتنياهو في الأمم المتحدة، والتي هدّد فيها العراق بشكل مباشر، عكست بوضوح أن البلد بات جزءا من الحسابات الكبرى في المواجهة بين إسرائيل ومحور المقاومة.

في المقابل، جاء الرد الرسمي العراقي رافضا لهذه التهديدات ومؤكدا أن أي استهداف لعراقي هو استهداف للعراق بأسره.

•تحذيرات أمنية وقلق شعبي

على مدى الشهور الماضية، تسربت أنباء عن قوائم اغتيال تستهدف قيادات سياسية وعسكرية، ما أثار قلقا واسعا لدى الشارع العراقي.

ومع تزايد استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة، تعززت المخاوف من انتقال الصراع إلى مرحلة التصفية السياسية عبر الاغتيالات، بما قد يفتح الباب أمام فتنة أوسع.

خطر الاغتيالات: من التحذير إلى الاحتمال العملي

لقد تحولت الاغتيالات الانتقائية من مجرد شبح إلى احتمال واقعي، تدعمه معطيات ميدانية متزايدة.

فالهجمات بالطائرات المسيّرة على البنى التحتية في كردستان والعمليات الدقيقة ضد أهداف حساسة أثبتت أن أدوات التصعيد باتت أكثر تطورا.

هذا يرفع احتمال وقوع سلسلة من الاغتيالات ضد قادة سياسيين أو قادة فصائل أو حتى ناشطين وقضاة، بهدف إعادة رسم خريطة النفوذ داخليا وإحداث صدمة تغيّر قواعد اللعبة.

وسائل التنفيذ المتوقعة تتراوح بين الطائرات المسيّرة الصغيرة والضربات الجوية المحدودة، مرورا بالعمليات الميدانية التقليدية، والخطر لم يعد احتمالا بعيدا بل واقعا يستلزم الحذر والاستعداد.

•المكوّن السني بين الحياد والمراقبة

رغم أن التركيز غالبا ما يتجه نحو الساحة الشيعية، فإن المكوّن السني لا يمكن استثناؤه.

في الأنبار ونينوى وصلاح الدين، يسود حاليا موقف الحياد والمراقبة، لكن أي انفلات أمني أو تصعيد طائفي قد يحوّل هذه المناطق إلى ساحات صراع إضافية، خصوصا مع استعداد بعض القوى الإقليمية لاستغلال التوترات الداخلية.

•السيناريوهات المحتملة

في ضوء التطورات الأخيرة، يمكن استشراف أربع مسارات:

1- تصعيد محدود: ضربات بالطائرات المسيّرة، احتجاجات متفرقة، وتصعيد إعلامي.

2-انفجار واسع: سلسلة اغتيالات، فتنة كبرى، واحتمال تدخل إسرائيلي مباشر ضد فصائل المقاومة والحشد.

3-احتواء مرحلي: تهدئة مؤقتة عبر المرجعيات أو تفاهمات داخلية وإقليمية، وربما استثمار ملف النفط كورقة ضغط للتسوية.

4-حرب إقليمية: اندلاع حرب أوسع في المنطقة تدفع العراق إلى واجهة المواجهة بشكل غير محسوب.

•مشهد الانفجار المحتمل

السيناريو الأسوأ يتضمن:

-عودة الجماعات التكفيرية للتحرك في المناطق الشمالية والوسطى.

– تنفيذ إسرائيل لعمليات اغتيال أو ضربات دقيقة داخل العراق.

-تدخل أطراف إقليمية أخرى لتمويل النزاعات الداخلية وإضعاف الفصائل.

– تحرك إيراني مباشر لتأمين بغداد والجنوب وحماية خط محور المقاومة.

• الخلاصة

العراق يقف اليوم على مفترق طرق خطير، فالهشاشة السياسية، والتدهور الاقتصادي، وتعدد مراكز القوة، كلها عوامل كانت حاضرة منذ سنوات، لكن الجديد هو أن الاغتيالات المتوقعة صارت احتمالا عمليا، مدعوما بتصريحات علنية وتحركات ميدانية.

وهذا التطور يجعل المشهد العراقي أكثر خطورة، ويضع القوى السياسية والأمنية أمام امتحان حقيقي، إما النجاح في احتواء التهديدات قبل أن تتحوّل إلى انفجار شامل، أو الانزلاق نحو فوضى جديدة قد تغيّر وجه العراق لسنوات قادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *