إن جوهر اختيار هذا الموضوع هو التماس المباشر بحياة الناس والدولة، حيث أصبح هذا المفهوم يهدم أساس مرتكزات الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، التي أخذت على عاتقها تفتيت مقومات المجتمع الأخلاقية وحتى الدينية. وتحوّل شكل ذلك البلاء من كونه عموديًا على مستوى الرؤساء والمناصب العليا، إلى انتشار أفقي يستهدف أصغر موظف أو صاحب قرار أو مهنة، على اختلاف مستوياتهم العملية والعلمية.
والسبب أن هذا العمل الإجرامي غير الأخلاقي أصبح أحد أعراف النجاح والتقدم والازدهار على حساب الخلق والعلم والعمل الصالح، مما أدى إلى شلل مفاصل الدولة والمجتمع، والرجوع إلى الوراء بدلًا من التقدم وقيادة البلاد إلى بر الأمان. حيث يعرف الفساد الإداري والمالي بشكل عام بأنه إساءة استخدام السلطة العامة لتحقيق مكاسب شخصية، سواء كانت مادية أو معنوية، ويشمل ذلك انتهاك القوانين والأنظمة، واستغلال النفوذ، وتقديم الرشاوى، والمحسوبية، والواسطة، وكل ما يضر بالمصلحة العامة.
آثار الفساد الإداري والمالي
أولاً – تدهور الخدمات العامة:
يؤدي الفساد إلى تدهور جودة الخدمات العامة مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية.
ثانيًا – تأثير سلبي على الاقتصاد:
يعيق الفساد الاستثمار ويقلل من النمو الاقتصادي، ويضر بالبيئة التنافسية.
ثالثًا – تآكل ثقة الجمهور:
يؤدي الفساد إلى فقدان الثقة في الحكومة والمؤسسات العامة.
رابعًا – زيادة الفقر والظلم الاجتماعي:
يساهم الفساد في زيادة الفقر والظلم الاجتماعي من خلال حرمان الفقراء من حقوقهم ومواردهم.
خامسًا – ضعف سيادة القانون:
يؤدي الفساد إلى إضعاف سيادة القانون والنظام.
سادسًا – زعزعة الاستقرار السياسي:
يمكن أن يؤدي الفساد إلى عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي.
وأخيرًا، سبب انتشار تلك المظاهر هو ضعف مؤسسات الضبط القضائي والأمني، وحتى الرقابة الاجتماعية والاقتصادية والدينية، وعدم تشريع قوانين “من أين لك هذا؟” من أجل الاستدلال على مصدر تضخم الأموال والثراء الفاحش غير المتزن. والسبب الرئيسي هو عدم وضوح الأدوار من قبل السلطة المعنية بإدارة شؤون البلاد لكل فرد عراقي، من خلال تعريف ما هو لك وما هو عليك.
بل إن الحكومات المتعاقبة عملت على إثراء الأثرياء وإفقار الفقراء من خلال اتباع سياسات التهميش، سواء كانت بشكل مباشر أو غير مباشر، وكذلك اتباع سياسات حرق الأموال المتعمد، مما أوصل البلاد إلى بلد ريعي بلا زراعة وصناعة وإنتاج وسياحة، وبدون وضع سياسي متزن، واقتصاد معتدل، ودين جامع للتنوع المذهبي المتعدد. وهذا أدى إلى زيادة فجوة الثقة بين المواطن والحكومة، وبالتالي إلى الإضعاف الحقيقي لمفهوم الدولة وانتشار مفاهيم الفساد الإداري والمالي.
الجدير بالذكر أن الحكومة الحالية كان لها دور واضح في مكافحة تلك الإخفاقات من خلال تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، وتنشيط دور هيئة النزاهة الاتحادية، وأجهزة الرقابة المتنوعة مثل ديوان الرقابة المالية والرقابة الداخلية في عموم المؤسسات الحكومية، وكذلك دعم منظمات المجتمع المدني والإسناد الدولي، الذي من شأنه القضاء على تلك المظاهر التي كانت خلال عشرين عامًا تهدم كافة أركان المجتمع والدوائر الحكومية.
ومع أن المعالجات ليست سريعة، إلا أنها موجودة بسبب تراكمية الانهيار والخراب خلال السنوات السابقة، مما يتطلب التعاون بين كافة فئات المجتمع والدوائر المعنية من أجل تقوية تلك الإجراءات وإسنادها لقيادة الدولة إلى بر الأمان.
فالدول التي توقع على اتفاقيات حقوق الإنسان يُطلب منها إلغاء عقوبة الإعدام، لأن حق الحياة غير قابل للتخصيص ولا للتجزئة، فلا يُحرم منه أحد، حتى المخالفين.
فالأصل ألا تكون هناك إمبريالية فكرية تفرض وجهة نظرك على الآخر، وتفرض طريقتك في التفكير عليه، فمن حقوق الإنسان حق التفكير. فليس معنى أني أختلف معك في مقاييس التفكير أني أخالف حقوق الإنسان، بل نتحاور مع الآخر لنتقارب فيما بيننا، خاصة.

