
العهر السياسي واستغلال موارد الدولة
مشهد سياسي واجتماعي يتداخل فيه الفساد مع استغلال موارد الدولة لتتحول السلطة إلى أداة للهيمنة وبيع المواقف وتبديل المبادئ وفق مصالح آنية ضيقة. مما جعل الكثير من القوى الحاكمة تنتهج سياسة العهر السياسي، التي تقوم على تبادل المنافع على حساب الوطن والشعب، حيث أصبحت الصفقات السرية والمساومات المكشوفة سمة بارزة في المشهد العراقي.
فالقوى التي يفترض أن تمثل المواطن وتدافع عن حقوقه باتت تتعامل مع البلاد وكأنها غنيمة أو كعكة توزع بين أقطاب النفوذ والمال السياسي، ولم يعد المعيار هو الكفاءة أو الوطنية بل حجم الولاء والانخراط في لعبة التوازنات التي لا تعود بالنفع سوى على من يتصدر المشهد. أما الشعب فقد أصبح رهينة لهذه السياسات يدفع ثمنها فقرا وتهميشا وحرمانا.
الفقر كأداة سياسية
الفقر لم يعد مجرد حالة اقتصادية في العراق بل تحول إلى أداة سياسية تستخدمها بعض القوى لتركيع الناس وربط أرزاقهم بقراراتها. فالبطالة والحرمان وانعدام الخدمات لم تكن نتيجة ضعف في الموارد بل بسبب سوء إدارتها وعدم استخدامها بشكل صحيح.
تحولت الثروات النفطية إلى وسيلة لتغذية شبكات المحاصصة بدلا من أن تكون بابا للتنمية والإعمار. الأمر الذي جعل ملايين العراقيين يعيشون تحت خط الفقر رغم أن بلدهم من أغنى دول المنطقة في الموارد الطبيعية. ومع ذلك تستمر الطبقة السياسية في تجويع الفقراء لتبقى هي المستفيدة من لعبة التحكم بالأمن الغذائي والوظائف والمساعدات، فتمنحها وفق الولاءات وتحجبها عن المعارضين.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن الفقر تحول إلى أداة للابتزاز الانتخابي، حيث يُستغل حرمان الناس من أجل شراء أصواتهم بوعود واهية أو مبالغ زهيدة، فيما تستمر الطبقة السياسية في مراكمة الثروات.
ملامح الفقر في الحياة اليومية
الفقر في العراق اليوم يتجلى في تفاصيل الحياة اليومية: شوارع مكتظة بالعاطلين، أسر لا تستطيع توفير ثلاث وجبات يوميًا، أطفال يتركون مقاعد الدراسة للعمل في مهن هامشية لسد رمق أسرهم. النساء يتحملن العبء الأكبر، إذ يقفن ساعات في طوابير للحصول على مساعدات غذائية أو إعانات محدودة لا تكفي لسد الحاجات. وحتى الطبقة الوسطى التي كانت صمام أمان المجتمع بدأت تتآكل بفعل الغلاء والضرائب غير العادلة، مما جعل الفقر يتسع كدائرة خانقة تطوق المجتمع كله.
المواطن بين سطوة السلطة والفقر
هذا الواقع أنتج بيئة خانقة تزاوجت فيها سياسة العهر السياسي مع تجويع الفقر، ليجد المواطن نفسه أمام معادلة ظالمة: إما أن يرضخ لسطوة القوى الحاكمة ويتنازل عن حقه في المحاسبة، وإما أن يعيش مهمشا مسحوقا بلا حقوق.
المواطن العادي لم يعد يرى في السياسة سوى سوق للابتذال والمساومات، بينما الفقر أصبح قيدا دائما على أحلامه وفرصه في الحياة الكريمة. فالشباب اليوم عاجزون عن الحصول على فرص عمل كريمة أو سكن لائق، والعوائل تئن تحت وطأة الأسعار وغياب الخدمات. وفي ظل هذا المشهد يتضاءل الأمل بإصلاح حقيقي إذا لم تكن هناك إرادة جادة لكسر هذه الحلقة المفرغة، وإعادة الاعتبار إلى مفهوم الدولة العادلة التي تضع خدمة المواطن فوق كل اعتبار.
إن غياب العدالة الاجتماعية وتردي التعليم والصحة وغياب الأمن الاقتصادي كلها عوامل تغذي اليأس والإحباط، وتدفع نحو انفصال متزايد بين الشعب والطبقة الحاكمة، حتى بات الانتماء للوطن ضعيفا أمام الانتماءات الحزبية والطائفية الضيقة.
مستقبل محفوف بالانفجار الشعبي
العراق اليوم يعيش بين سيفين قاسيين: حد سياسي تتصدره لغة العهر والتنازلات، وحد اجتماعي يتعمق فيه الفقر والتجويع. وإذا استمرت المعادلة على هذا النحو، فإن النتيجة الحتمية ستكون المزيد من الغضب الشعبي الذي قد ينفجر في أي لحظة، على شكل احتجاجات أو ثورات تعيد رسم المشهد السياسي من جديد.
فالشعوب مهما صبرت لا يمكن أن تستمر في العيش تحت رحمة فساد ينهب خيراتها، وسياسة تستهزئ بكرامتها، وفقر يجردها من أبسط حقوقها الإنسانية.


