
تشهد المنطقة تطورا جديدا يتمثل بتفعيل آلية السناب ضد إيران وربما سيطال دولا مجاورة أخرى أو فصائل تابعة لإيران أو أذرعها في المنطقة. وهو قرار يعيد رسم خريطة التوترات السياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط وربما سيجر المنطقة إلى صدام مسلح، ويعيد إلى الأذهان حقبة الضغوط القصوى التي مورست سابقا على طهران. حيث يعتبر هذا التفعيل ضربة مباشرة للاقتصاد الإيراني وشل البنى التحتية الإيرانية مما يجعل إيران في موقف حرج جدا قد يدفعها لاستخدام آليات أخرى.
إن إيران تعتمد بشكل كبير على صادرات النفط والتحويلات المالية، إذ ستجد الحكومة الإيرانية نفسها أمام أزمة جديدة تضيق من قدرتها على تمويل مشاريعها الداخلية والإقليمية، وهذا قد يؤدي لتوترات داخلية. وفي الوقت نفسه يفتح الباب أمام تصعيد سياسي قد يمتد أثره إلى ملفات الأمن الإقليمي والعلاقات بين القوى الكبرى، وهذا الملف قد يجر المنطقة إلى مستويات خطيرة جدا.
التأثيرات الاقتصادية والسياسية المباشرة
إن تأثيرات هذا القرار على المنطقة تبدو متعددة، فمن جانب أول ستسعى إيران إلى البحث عن بدائل اقتصادية عبر تعزيز تعاونها مع بعض الدول الآسيوية كالصين وروسيا وربما الهند، لكن هذه الخطوات لن تكون كافية لسد الفجوة الناتجة عن القيود المالية وارتفاع الأسعار في الداخل الإيراني. هذه الأزمة ستضاعف الضغوط على الشعب الذي كان يترقب انفراجا بعد سنوات طويلة من العقوبات.
ومن جانب آخر ستشهد الساحة الداخلية الإيرانية حالة من الضيق الاقتصادي وارتفاع مستويات التضخم، مما قد يفاقم الغضب الشعبي ويدفع بالمظاهرات التي تعود بين حين وآخر إلى الشوارع. هذا ما تترقبه الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بدقة، فهما تراهنان على أن الضغط الاقتصادي سيؤدي إلى تصدع داخلي يضعف الموقف الإيراني. ومع ذلك فإن التجارب السابقة أظهرت قدرة طهران على الالتفاف على العقوبات واستخدامها أحيانا لتعزيز خطاب “المظلومية” وكسب التعاطف الشعبي.
تداعيات إقليمية على دول الجوار
أما على مستوى الشرق الأوسط، فإن دول الخليج ستكون أكثر المتأثرين بهذا التفعيل. فأي تراجع في القدرات الاقتصادية الإيرانية قد ينعكس مباشرة على أمن الملاحة في مضيق هرمز، وهو شريان الطاقة العالمي. وقد تستخدم طهران ورقة الضغط هذه في مواجهة العقوبات، وهو ما قد يرفع أسعار النفط عالميا ويؤثر على استقرار الأسواق. كما أن الساحة العراقية والسورية واللبنانية واليمنية لن تبقى بعيدة عن الارتدادات، حيث تعتمد الكثير من الفصائل والقوى المحلية على الدعم المالي والعسكري الإيراني، وهو ما قد يضعف نفوذ طهران أو يدفعها إلى استخدام أساليب أكثر عنفا للحفاظ على حضورها.
وقد يشهد العراق على وجه الخصوص محاولات لإعادة ترتيب التحالفات الداخلية، مع سعي بعض الأطراف لاستغلال إضعاف النفوذ الإيراني لتقوية مواقعها، فيما قد تجد قوى أخرى نفسها في مأزق التمويل وفقدان الغطاء السياسي والعسكري.
البعد الدولي وردود الأفعال
القرار أيضا يحمل بعدا دوليا، فالتوتر بين واشنطن وطهران مرشح للتصاعد وربما يشعل جولات تفاوضية جديدة أو حتى مواجهات غير مباشرة في مناطق النفوذ المشتركة مثل الخليج والبحر الأحمر. كما أن القوى الأوروبية التي كانت تراهن على إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة قد تجد نفسها أمام معادلة صعبة بين التزاماتها بالتحالف الغربي وحاجتها إلى استقرار المنطقة لتأمين مصالحها الاقتصادية. وفي حال فشلت الجهود الدبلوماسية، قد نشهد انقساما أكبر داخل الاتحاد الأوروبي حول كيفية التعامل مع طهران، خصوصا في ظل رغبة بعض الدول في الحفاظ على الاتفاق النووي القديم كإطار للحوار.
سيناريوهات المستقبل
إن تبعات تفعيل آلية السناب ضد إيران لا تقف عند حدود العقوبات الاقتصادية بل تتجاوزها إلى إعادة خلط الأوراق في الإقليم وفتح الباب أمام سيناريوهات معقدة قد تشمل مواجهة مفتوحة أو جولات دبلوماسية مكثفة. ويبقى السؤال المطروح: هو مدى قدرة طهران على الصمود في وجه هذه الضغوط الجديدة وما إذا كانت ستلجأ إلى تقديم تنازلات استراتيجية، أم أنها ستختار التصعيد الذي قد يضع الشرق الأوسط على أعتاب مرحلة أكثر توترا.


