الانتخابات العراقية المقبلة: أزمات الواقع ورهانات التحول

الانتخابات العراقية المقبلة: أزمات الواقع ورهانات التحول
الانتخابات العراقية المقبلة تواجه تحديات كبيرة من النفوذ الخارجي والفساد وضعف الثقة الشعبية، بينما تبرز قوى مستقلة وشبابية قادرة على إعادة تشكيل الخارطة السياسية إذا التزمت بالمصلحة الوطنية. دور المرجعية والشارع سيكون حاسماً في النتائج....

اللاعبون الإقليميون والدوليون، وعلى رأسهم إيران والولايات المتحدة، يتابعون المشهد ويدعمون أطرافًا مختلفة بأدواتهم الخاصة، ما قد يدخل البلاد في دوامة صراع الإرادات ويضعف المسار الوطني المستقل.

تقترب الانتخابات النيابية في العراق في ظل أزمات متراكمة ومشهد سياسي مضطرب، يتسم بتصاعد الخطاب الطائفي، ووضوح النفوذ الخارجي، وضعف ثقة الشارع بالعملية الديمقراطية، إلى جانب تزايد المطالبات بإصلاح شامل لأوضاع البلاد. رغم ذلك تلوح في الأفق ملامح خارطة سياسية جديدة قد تعيد تشكيل موازين القوى وتمهد لمرحلة انتقالية في بنية الحكم. لكن البيئة الانتخابية في العراق لا تزال مأزومة نتيجة تراجع الثقة الجماهيرية بالمؤسسات، وتراكم ملفات الفساد، واستمرار تأثير السلاح المنفلت والمال السياسي. وقد أظهرت التجارب السابقة، لاسيما انتخابات 2021، ازدياد عمق الفجوة بين المواطن والطبقة السياسية، مع ارتفاع نسبة العزوف عن التصويت، وما رافقها من اتهامات بالتزوير وانعدام الشفافية في النتائج.

مفاتيح التحول السياسي المحتمل قد تستند إلى صعود القوى المستقلة والحركات الشبابية، مثل قوى تشرين والتيارات المدنية، التي تشكل تحديًا للقوى التقليدية، خاصة في ظل تراجع شعبية الأحزاب الكبيرة وتآكل مكانتها وشرعيتها الاجتماعية. إذا استطاعت هذه الحركات التوحد ضمن برامج واقعية وتحالفات واسعة، فهي مرشحة لإحداث اختراق واضح في الخارطة السياسية، رغم صعوبة تحقيق اشتراطات ذلك.

جانب آخر يجب الالتفات إليه يتعلق بإعادة فرز القوى الشيعية. فالتيار الصدري، رغم انسحابه من البرلمان، لا يزال لاعبًا قويًا في الشارع، ويسعى إلى إعادة تعريف الشرعية الانتخابية بناءً على مشروع الدولة كما يراه. في المقابل تحاول قوى الإطار التنسيقي الحفاظ على موقعها، لكنها تواجه تحديات داخلية وخارجية كبيرة ومتعددة.

الدور الكردي والسني له أهمية في المعادلة المقبلة. فالقوى الكردية تعاني من الانقسام والصراع الداخلي، ما قد يضعف موقفها التفاوضي. أما القوى السنية فتسعى لإعادة تشكيل نفسها والتموضع في مكانة جديدة ضمن الخارطة السياسية، مع بروز تحالفات جديدة خارج عباءة الزعامات التقليدية، ما قد يغير توازنات السلطة في بغداد.

دور المرجعية الدينية العليا، إلى جانب ضغط الشارع، قد يكون حاسمًا في رسم المشهد القادم، إما من خلال توجيه الأولى للمشاركة الفاعلة أو عبر كبح محاولات التزوير وفرض الإرادات. وسيستجيب الشارع لهذا التوجيه بنسبة عالية جدًا، كما هو متوقع.

يبقى النفوذ الخارجي وتحديات السيادة أحد العوامل الأكثر تأثيرًا في المشهد السياسي. فاللاعبون الإقليميون والدوليون، وعلى رأسهم إيران والولايات المتحدة، يتابعون المشهد ويدعمون أطرافًا مختلفة بأدواتهم الخاصة، ما قد يدخل البلاد في دوامة صراع الإرادات ويضعف المسار الوطني المستقل.

مقومات الخارطة السياسية

مع هذه التغيرات يرجح أن تتشكل خارطة سياسية جديدة تقوم على:

  • تراجع هيمنة الكتل الكبرى لمصلحة توازن كتل أصغر وبشكل أكثر تعقيدًا.
  • بروز قوى مستقلة وشبابية قد تحصل على مقاعد مؤثرة.
  • إعادة توزيع التحالفات وفق معايير المصلحة الوطنية لا الانتماء الطائفي.
  • احتمال تشكيل حكومة بأغلبية سياسية مقابل معارضة برلمانية معقولة، وهو تطور إيجابي إن تحقق.

بعيدًا عن تحديد مدى تحقق هذه الاحتمالات، تمثل الانتخابات المقبلة لحظة فاصلة في تاريخ العراق السياسي. فإما أن تكون بوابة لإعادة بناء الدولة وتحقيق الاستقرار، أو محطة إضافية في مسلسل الانقسام والشلل السياسي. والرهان اليوم ليس فقط على من سيفوز، بل على ما إذا كان المنتصرون سيفهمون رسالة الشعب، ويتجهون لبناء مشروع وطني جامع يقدم العراق على الولاءات والسيادة على التبعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *