جامعة الموصل بين الاتهام والإنصاف: قراءة واقعية في تحديات الجودة والتطور

جامعة الموصل بين الاتهام والإنصاف: قراءة واقعية في تحديات الجودة والتطور
تواجه جامعة الموصل انتقادات غير منصفة رغم جهودها في تطوير الجودة المؤسسية والانخراط بالمعايير الدولية بعد الحرب، إذ أثبتت قدرتها على الصمود والتحديث الأكاديمي، ما يجعلها رمزًا للنهضة العلمية لا ميدانًا للاتهام....

لا تمرّ مناسبة إلا ويستغلها البعض، وخصوصًا على مواقع التواصل الاجتماعي، للطعن بالمؤسسات التعليمية، وعلى رأسها جامعة الموصل. وهذا ظلم كبير، لأن هذه الجامعة كانت وما تزال واحدة من أبرز أعمدة المدينة الثقافية والعلمية، وقدّمت على مدار عقود نخبة من المتخصصين في شتى المجالات، وساهمت بشكل حقيقي في نهضة الموصل العلمية والثقافية.

لقد عملت جامعة الموصل في أقسى الظروف، حين كانت الحياة الأكاديمية مهددة، ورغم ذلك صمدت، واستمرت في أداء رسالتها. من المؤلم أن نرى بعض الناس، بل حتى بعض المنتسبين إليها، يوجهون لها الاتهامات ويشككون بعملها وكثيرًا ما يكون النقد مبنيًا على تصورات مغلوطة أو مقارنات غير منصفة.

إدارة الموارد المالية والجودة المؤسسية

دعوني أتكلم هنا عن جانب مهم كثيرًا ما يُساء فهمه “الجودة المؤسسية” هذا الموضوع أصبح دارجا اليوم، ويستخدمه كثيرون ممن لا يفرّقون بين مضمونه الحقيقي وبين مجرد الشعارات. الحقيقة أن اهتمام الجامعة بموضوع الجودة بدأ بشكل متواضع منذ عام 2009، عندما تأسس فيها قسم لضمان الجودة والاداء الجامعي، في وقت لم تكن فيه هناك خارطة طريق واضحة وتركز على الاعمال الادارية وتقييم الاساتذة والموظفين وفقا للمعايير الوزارية. لكن بعد تحرير المدينة، تغيرت الأولويات، وبدأت الجامعة تتجه فعليًا نحو الانضمام إلى المعايير والتصنيفات الدولية.

في البداية، لم تكن السقوف عالية، وكان الهدف هو إعادة الحياة للمؤسسة. ومع مرور الوقت، بدأت الجامعة تتوسع في انخراطها بالوسط الأكاديمي العالمي، وأصبح لزامًا عليها وهي تتبنى رؤية الظهور العالمي أن تلتزم بمعايير التدريس والبحث وخدمة المجتمع وفقًا لما يتطلبه معايير التقييم الدولي.

الاستثمار الأكاديمي وأثره على الاقتصاد المحلي

نعم، الوضع ليس مثاليًا، وما زال أمام الجامعة الكثير لتقوم به، لكنها تسير في الاتجاه الصحيح. فكل خطوة نحو الجودة والتصنيف العالمي تحتاج وقتًا وجهدًا وتراكمًا معرفيًا ومؤسسيًا.

أما من يقول إن “الجامعة كانت أفضل في الماضي“، فهذه مقارنة تفتقر للدقة. لأن معايير الجودة اليوم ليست هي نفسها التي كانت قبل عشرين أو ثلاثين عامًا. في الماضي، لم يكن النتاج العلمي متاحًا عالميًا، ولا كانت هناك منصات للنشر الدولي، ولا تصنيفات أو مواقع إلكترونية تُظهر أعمال الجامعة للعالم. أما اليوم، فإن وجود الموقع الرسمي والبيانات المفتوحة والنشر الأكاديمي العالمي أتاح للجامعة أن تكون مرئية، وأن توضع تحت المجهر الدولي، وهذا أمر لم يكن يحدث سابقًا. من ثم فان الأفضلية ليست في النقيض دائما، بل في المراجعة المستمرة، والبناء على النجاحات، وتصحيح الإخفاقات.

لهذا فإن تواضع ترتيب الجامعة في بعض المؤشرات لا يعني بالضرورة أن مستواها كان أفضل في السابق. التقييم اليوم يتم وفق معايير صارمة وشفافة، وهي فرصة للتطوير، لا للحكم القاسي أو التقليل من الجهود.

خلاصة القول: لا تُقاس المؤسسات بتاريخها فقط، بل بكيفية مواجهتها للتحديات، وقدرتها على التعلّم والتطور. وجامعة الموصل، رغم كل شيء، ما زالت حاضرة، تعمل وتناضل، وتستحق منّا الإنصاف والدعم، لا الاتهام والتشكيك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *