هل سياسة المقاطعة واحدة؟

هل سياسة المقاطعة واحدة؟
منذ انتفاضة ۲۰۱۱، فقدت العملية السياسية شعبيتها، وتبنت مقاطعة الانتخابات التي يقودها التيار الصدري كوسيلة للضغط، فيما تظل المشاركة الشعبية العامل الحاسم لتغيير المشهد السياسي وإعادة فرض معادلة جديدة...

فقدت العملية السياسية مجالها الاجتماعي و”شعبيتها” منذ انتفاضة 2011. كانت هذه الحركة الاحتجاجية تعبيراً صادقاً عن قطع العلاقة بالكامل مع سلطة الإسلام السياسي، حركة اتخذت طابعاً مدنياً وحضارياً، طالبت بشكل صريح بإسقاط النظام، إلا أنها جوبهت بحالة من القمع الشديد. هذا القمع كان أحد أسباب مقاطعة تامة لهذه العملية البغيضة، وقد تمثلت بالمشاركة المتدنية في الانتخابات، إلى أن وصلت إلى أدنى مستوياتها في انتخابات 2021.

أزمات داخلية وصراع السلطة

في تلك الانتخابات صار الوضع أكثر تعقيداً، فقد دخل النظام في أزمة خانقة هددت وجوده. اختلف طرفا الحكم “الإطار والتيار” على السلطة، ووصلت بهم الأمور إلى التقاتل بالأسلحة الخفيفة، مما أدى لمقتل العديد من أنصار التيار، فيما سمي بـ”أحداث المنطقة الخضراء”.

التيار انسحب من العملية السياسية، وقرر المقاطعة وعدم المشاركة بها، والتزم بهذه المقاطعة على مدى فترة حكم الإطار. وضع شروطاً للعودة، لكن الجانب الآخر لم يوافق على تلك الشروط، وإلى الآن يرفض الطرفان حل مشاكلهما، فهما في أزمة داخلية عميقة جداً.

مع قرب موعد الانتخابات في 11-11-2025، أعلن التيار الصدري عن رفضه المشاركة فيها، وحث أتباعه على المقاطعة التامة، بل ومعاقبة كل من يشترك بها. ونزلوا في بعض المدن للتعبير عن رفضهم المشاركة، وهم إلى الآن باقون على موقفهم، ولا أحد يعلم كم سيصمدون، أو ما هي سيناريوهاتهم المقبلة، خصوصاً وأن الإطار مصمم على مواقفه السياسية.

جدل المشاركة والمقاطعة الانتخابية

سياسة المقاطعة التي يتبعها التيار الصدري ليست للإطاحة بالعملية السياسية، فهذا التيار جزء أصيل منها، بل وأحد أقوى تيارات الإسلام السياسي الحاكم في العراق. بالتالي، فلا يفرح أحد من العلمانيين أو اليساريين بهذه المقاطعة، فهي ليست جديدة، وإنما يستخدمها التيار منذ سنوات عدة للضغط على شركائه في الحكم بهدف الاستحواذ على السلطة بالكامل، وهو ما يرفضه الجانب الآخر.

الانتخابات – إذا جرت – ونقول إذا جرت، فلا أحد يعلم ما يخبئه المستقبل لهذه المنطقة الساخنة. نقول إذا جرت الانتخابات فستكون نتائجها معترفاً بها رغماً عن الكل، سواء كانت المشاركة قوية أو ضعيفة أو معدومة. فهذه هي الديمقراطية المرسومة لهذا البلد، وستكون الوجوه ذاتها هي من تتصدر المشهد السياسي، وتبقى الأوضاع على حالها من النهب والفساد والخراب.

إن المشاركة الواسعة في الانتخابات يمكن أن تشكل ورقة ضغط حقيقية على القوى السياسية، لأنها تفرض معادلة جديدة وتفتح المجال أمام وجوه مختلفة ولو بحدود معينة. أما ترك الساحة فارغة عبر المقاطعة، فيعني تسليمها بالكامل لنفس الوجوه التقليدية التي أثقلت الدولة بالفساد والمحاصصة. لذلك، فإن قرار الناخب بالمشاركة أو المقاطعة سيظل هو العامل الأكثر حسماً في رسم المشهد العراقي القادم.

أي انتخابات تجري لا تغيّر من الأمر شيئاً، فهي مجرد ممارسة شكلية تجري كل أربع سنوات لتجديد العقد مع قوى النهب والخراب والدمار. أما المتحدثون عن الإصلاح من داخل العملية السياسية، فما هم إلا مجموعة تبحث عن موطئ قدم فيها، لينالوا حصتهم من الكعكة، هذا كل ما في الأمر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *