إنّ اللحظة التي نعيشها في تاريخنا المعاصر هي من أخطر اللحظات وأشدّها التباساً؛ إنها لحظة تتشابك فيها القوى والمصالح، وتتداخل فيها الظواهر المادية والروحية، فتتشابك الأحداث بما يفوق قدرة الفهم التقليدي، ويستدعي تأملًا عميقاً لربط الواقع بما وراءه، إذ تتزاحم فيها القراءات، وتتنازعها مناهج الفهم، حتى غدا العقل الفردي والجمعي أمام مسارين متباينين في مقاربة الأحداث ومجرياتها؛ المسار الأول يتكئ على أدوات التحليل السياسي والأمني والعسكري، ويضع الحوادث في أطر مادية صارمة، مستضيئاً بالواقعية والتجارب التاريخية، ومستنداً إلى نظريات العلوم الاجتماعية والسياسية، ليخرج في نهاية المطاف بتوصيات عملية قابلة للتطبيق، فهذا المسار، وإن كان ضرورياً في متابعة الوقائع وفهمها، يظل قاصراً ما لم يُفتح على أفق أوسع، أما المسار الثاني، فهو الغرق في إشارات غيبية غير محققة، ومحاولة ربط الأحداث بعمليات تعسفية أو جزئية، فتنتج تصورات مشوهة لا تنهض بمسؤولية الوعي ولا تصلح لمواجهة معقدات اللحظة الراهنة، وكثيراً ما يستند هذا الخط إلى نصوص غيبية غير محققة، أو يُوظَّف مجتزأً بعيداً عن سياقه.
بين هذين المسارين يكمن الفهم المهدوي المختلف، الذي يجمع بين العقل والغيبي، بين السياسة والتخطيط الإلهي، ويضعنا على طريق رؤية الأحداث من منظور شامل ومتدرج، يعيد ترتيب المؤثرات والمتأثرات وفق العدسة الإلهية، ويحوّل كل موقف وكل حدث إلى جزء من شبكة الواجب والمسؤولية.
في الواقع، معظم الحوادث والاخطار التي تبدو مادية مجردة، كالسياسات الدولية، الصراعات المسلحة، التطورات التكنولوجية، أو حتى الأزمات الاقتصادية، هي في جوهرها منغمسة في الدين والغيبي، فالحروب في الشرق الأوسط، التدخلات العسكرية في العراق وأفغانستان وما سبقهن وما تلاهن، سياسات الهيمنة الاقتصادية عبر العقوبات، وحتى السباق التكنولوجي في الذكاء الاصطناعي والفضاء، رغم ظهورها كأدوات مادية، تتحرك غالبًا وفق مواقف أيديولوجية ودينية.
أمريكا وإسرائيل والغرب لم يخططوا لهذه الأحداث وحدها على أساس مصالح اقتصادية أو سياسية بحتة، بل عبر أطر أيديولوجية ومعتقدية، توظف الدين والأيديولوجيا لتحقيق سيطرة ومنافع استراتيجية، فالحروب والصراعات التي تظهر كأزمات سياسية بحتة لكنها في جوهرها صراع بين رؤى دينية وأيديولوجية، أو الدعم الغربي لبعض الجماعات بهدف الهيمنة الفكرية أكثر من أي مصلحة اقتصادية مباشرة.
الفهم الغائب يبدأ من حيث يقف التحليل السياسي والعسكري، لكنه لا يتوقف عنده، بل يرتقي إلى مستوى أعلى، حيث تُقرأ الحوادث ضمن التخطيط الإلهي وصراع الإيمان والكفر، نزاع خط الله وخط الشيطان.
هذا الفهم لا يُقحم الغيب إقحاماً ولا يُلبس الوقائع ثوباً أيديولوجياً مبتسَراً، بل هو نقل واعٍ لمخرجات العقل المادي إلى ساحة أرحب من الفهم، تعيد تعريف المؤثر والمتأثر وفق المنظور الإلهي، (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) العنكبوت:20.
الوعي المهدوي المختلف، يتقدم خطوة على نسخة الفهم التي تقول إن الإمام “مُنتظِر” لا “مُنتظَر”، أي أنه ينتظر من المؤمنين أن يؤهلوا أنفسهم فردياً وجماعياً، ليكونوا أهلاً للمثول بين يديه الشريف عند تحقق الظهور، فقد شدّد السيد الشهيد الصدر (قدس سره) في اطروحاته المهدوية، على أن المعوّل ليس على العلامات بقدر تحقق الشرائط: “العلامات قد تحصل وقد لا تحصل، ولكن المهم هو تهيؤ الأمة، وتأهلها لتحمل المسؤولية الكبرى”. هذا الإدراك، أي الفهم المتقدم، يجعل المؤمن يقرأ الوقائع السياسية والاجتماعية والاقتصادية بعين مؤمنة، تراعي سنن التاريخ الكبرى، بشكل اعمق في عملية التأهيل الفردي والجماعي، وإن كان جوهرها يعود إلى فكرة إنتظار الامام عجل الله فرجه لقاعدته المؤهلة، (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ) الأنعام:122.
عملية البناء الفردي والجماعي
عملية البناء الفردي والجماعي في إطار هذا الوعي ترتكز على فهم أن كل تفصيل من أحداث العالم مرتبط بمهمة الإمام والخطة الإلهية، فالوعي المهدوي النوعي يقرأ التحولات الحربية والسياسية والتكنولوجية في ضوء صراع الخير والشر، خط الله وخط الشيطان.
إن استخدام الذكاء الاصطناعي والتلاعب بالمعلومات على منصات التواصل الاجتماعي لتوجيه الرأي العام، وهو تحدٍ ليس مادياً فحسب، بل أخلاقي وروحي، ويتطلب وعيًا مهدويًا قادرًا على قراءة الظواهر ضمن سياقها الغيبي، وكذلك العقوبات الاقتصادية، مثل تلك المفروضة على إيران وفنزويلا، ليست مجرد أدوات ضغط مادية، بل أدوات صراع على قيم ومبادئ، تكشف ارتباط كل حدث بسياق أوسع من السياسة والاقتصاد.
متطلبات الوعي المهدوي
الوعي المهدوي يتطلب تصحيحاً شاملًا للسرديات التاريخية والجغرافية والعلمية.
لقد عانى التاريخ من تزوير وتزييف، فصارت الذاكرة مشوهة، والأحداث متحجرة، والموروث الثقافي غارقاً في شبه حقائق، (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جَعَلْنَا لَهُمْ كِتَاباً يَرُونَ فِيهِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ( يونس:50.
إن تصحيح هذه السرديات وإنتاج مفاهيم جديدة تستند إلى القرآن والسنّة وفهم الإمام، يتيح للأمة القدرة على التعاطي الواعي مع الحاضر والمستقبل.
وهنا يظهر دور المدارسة الجماعية الواعية، التي تقف ضد كل ادعاء احتكار للوعي المهدوي أو الفعل المهدوي، فالحركة المهدوية القرآنية-المحمدية-العلوية تضع الجميع في دائرة المسؤولية على حد سواء، مؤكدة أن الفعل المهدوي لا يُحاصر ولا يُحتكر، بل يُراد به قيادة الحراك الإيماني نحو مهمة الإمام، (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) الأنفال:60.
الخطورة الكبرى في لحظتنا الراهنة هي التضليل، وادعاءات احتكار الحقيقة، وتحويل الأحداث إلى مصالح مادية فقط، بينما هي مرتبطة بالغيبيات، لذلك فإن الوعي المهدوي المختلف لا يكتفي بتوصيف الأخطار، بل يصنع أدوات للتعامل معها بوعي مضاعف، حيث يقرأ المؤمنون التحولات الدولية والتكنولوجية والاقتصادية والسياسية مع إدراك محدداتها الروحية والغيبية، ويعيدون بناء مفاهيمهم وسردياتهم التاريخية لتعزيز قدرتهم على المشاركة الفاعلة في مهمة الإمام.
هذه العملية تجعل الأمة مؤهلة لإعادة العدل الإلهي إلى الأرض، كما وعد الله، (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) الأنبياء:105.
في الختام، إن اللحظة الراهنة تتطلب وعياً مركباً، يربط التحليل الواقعي للظواهر والسياسات بفهم البعد الغيبي والتخطيط الإلهي، ويصوغ سرديات جديدة تصحح المفاهيم المتكلسة.
المهمة المهدوية ليست انتظاراً سلبياً، بل عمل واعٍ: تصحيح للسرديات، بناء للوعي، وإعداد الأمة لتكون شريكة في مشروع الإمام المهدي، وتجعل كل حدث مهما كان صغيراً جزءاً من شبكة الوعي النوعي، الذي يضمن توازن الأرض والسماء، ويحوّل اللحظة الحاضرة من خطر داهم إلى فرصة للتغيير والارتقاء.


