في التاريخ الإسلامي، لا يعلو حدث على واقعة الغدير، حين أعلن النبي محمد (صلى الله عليه وآله) أمام آلاف المسلمين في غدير خم «من كنتُ مولاه، فهذا عليٌّ مولاه» وهي الرواية التي تواترت في كتب الحديث والسيرة، وأثبتها كبار المحدثين، كأحمد بن حنبل في المسند، إذ قال: “حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا حسن بن موسى، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر قال: كنّا مع رسول الله (ص) في سفر فنزلنا بمنزل، فقال: من كنت مولاه فعليٌّ مولاه” ، من المسند للإمام أحمد، ج4، ص281. لم يكن الغدير إعلان محبة فحسب، بل تثبيت ولاية وامتداد مشروع الرسالة، ووضع حجر الأساس لأمةٍ تقوم على القيادة الإلهية بعد النبوة.
صوت الغدير في قلب الشام
حين تُرفع راية السيدة زينب (عليها السلام) في الشام، فهي لا تمثّل ضريحاً فقط، بل رمزاً شاخصاً للغدير في لحظة الانكسار التاريخي، فزينب (ع) هي ابنة الإمام علي عليه السلام الذي نُصّب في الغدير، وهي التي ورثت شجاعته وبيانه وصبره، حتى باتت خطبتها في مجلس الطاغية يزيد امتداداً حيّاً لبلاغ الغدير.
يُروى في كتب المقاتل والسير أن السيدة زينب (ع) وقفت أمام يزيد في مجلسه، وقالت كلمتها الخالدة: «فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا» من كتاب “الملهوف على قتلى الطفوف” لابن طاووس، ص117. لقد جسّدت زينب (ع) في تلك اللحظة معنى الثبات العقائدي والسياسي، فكانت راية الغدير تمشي على قدميها في قلب الشام، تشهد على أن راية عليٍّ لا تنكسر حتى إن سقط جسد الحسين عليه السلام.
إن قراءة الغدير بمنطق المناسبات، دون ربطه بالسياق التاريخي والسياسي، هو اختزال خطير، فالغدير هو نقطة انطلاق لمقاومة الظلم وتثبيت العدل الإلهي، والسيدة زينب (ع) تمثل تجسيده الحي، حين وقفت بصبرها وصوتها وصلابتها تثبّت الولاية في وجه أعتى أنظمة التزييف.
حين تحارب الراية يُبعث الصوت من جديد
لا عجب إذاً أن تُستهدف راية السيدة زينب (ع)، فمعركة هذه الجماعات الظلامية ليست مع قماش يرفرف على قبة، بل مع رمزية ولائية تشهد بامتداد الغدير في الزمن المعاصر، فالرد على من أنزل علم السيدة زينب (ع) ليس في الغضب فقط، بل في:
- رفع راية زينب (ع) في مناهج التعليم، والمساجد، والمنازل.
- تجديد بيعة الولاية سلوكاً لا شعارات.
- إحياء فكر زينب (ع) بنشر خطابها الواعي، وتحويله إلى ثقافة مواجهة وثبات.
- ترسيخ أن الغدير ليس تراثاً بل مشروع أمة، وأن زينب (ع) ليست صفحة تاريخ بل صوتاً ما زال يُسمع.
خاتمة
لقد أرادوا أن يُسقطوا الراية، لكنهم غفلوا أن الغدير ليس قماشة، وزينب ليست ضريحاً، بل عقيدة حيّة، وراية تمشي، وصوت حق لا يصمت. من الغدير إلى كربلاء، ومن كربلاء إلى الشام، مرّت الراية من يد إلى يد، ومن دمعة إلى دم، لكنها لم تُنزل قط، واليوم، مهما فعلوا، سيبقى صوت الغدير عالياً، وستبقى زينب (ع) أمّ الولاء، ورايتها أيقونة الكرامة.


