في أروقة السياسة العراقية ، حيث تتقاطع المصالح وتتزاحم الطموحات ، تبرز “المحاصصة” كأحد أكثر المفاهيم جدلاً واستمراراً . وبعد عام 2003 وما حصل في العراق من تغيرات جذرية ، أُقرت المحاصصة كآلية لتقاسم السلطة بين مكونات الشعب العراقي ، بدعوى تمثيل الجميع وضمان عدم التهميش . لكن بعد أكثر من عقدين ، يبقى السؤال معلقاً !! هل يمكن أن تنجح المحاصصة في العراق ؟ وإن كان الجواب بالإيجاب ، فكيف؟
فكرة المحاصصة ؟ ضرورة أم مفسدة ؟
المحاصصة ، في جوهرها ، محاولة لتكريس التوازن بين المكونات القومية والدينية والمذهبية ، وهي ليست ابتكاراً عراقياً خالصاً ، بل جُرّبت في بلدان أخرى كلبنان والبوسنة وغيرها . غير أن في العراق ، وبدلاً من أن تُستخدم كوسيلة مرحلية لبناء الثقة ، تحوّلت إلى قاعدة دائمة لتركيبة الحكم، ما فتح الباب أمام الانقسام السياسي ، والإدارة على أساس الولاءات ، لا الكفاءات .
التحديات التي واجهت المحاصصة !!
ما أُنجز تحت راية المحاصصة لم يكن دوماً في صالح الوطن . إذ أفرز هذا النظام ظواهر سلبية عدّة ؛؛
اولا
ضعف الدولة : إذ صار ولاء المسؤول غالباً للجهة التي رشحته ، لا لمؤسسات الدولة .
ثانيا
انتشار الفساد : حين تُقسم المناصب بين الكتل لا على أساس الكفاءة ، بل على أساس المحسوبية ، يضيع مبدأ المحاسبة .
ثالثا
شلل في اتخاذ القرار : فكل قرار مهم يحتاج إلى توافق بين قوى كثيرة ، ما يؤدي إلى المراوحة والتأجيل .
لكن ، ومن باب الموضوعية ، لا يمكن إغفال أن المحاصصة ، في بداياتها ، ساهمت فعلياً في منع هيمنة فئة واحدة ، وفي تهدئة مخاوف المكونات بعد عقود من التهميش والعنف .
هل يمكن أن تنجح المحاصصة ؟
إن المحاصصة بنسختها الحالية قد أثبتت فشلها في إنتاج دولة قوية وعادلة . لكن هل هذا يعني أن الفكرة برمّتها يجب أن تُلغى ؟ الجواب ليس بهذه البساطة.
المحاصصة قد تنجح ، ولكن بشروط صارمة :
– أن تكون مؤقتة لا دائمة ، تُستخدم كوسيلة انتقالية لضمان تمثيل عادل.
– أن تُضبط دستورياً بقواعد واضحة ، لا أن تُترك لمزاج الكتل السياسية.
– أن تُفصل بين التمثيل السياسي والإداري، بحيث تُراعى الكفاءة والخبرة في شغل المناصب التنفيذية .
– أن ترافقها ثقافة مدنية تدعو للانتماء للوطن قبل الطائفة ، وتُعلي من شأن المواطنة لا المحسوبية .
محو نظام بديل : التدرج لا الهدم
في نهاية المطاف ، لا يمكن اجتثاث المحاصصة دفعة واحدة ، ولا فرض نظام بديل دون تمهيد مجتمعي وسياسي له . إنّ نجاح أي نظام بديل مرهون بخلق بيئة تؤمن بالتعددية وتحترم التنوع ، دون أن تجعل منهما مطيّة لتقسيم الدولة .
الحل لا يكون بهدم البنيان ، بل بإعادة تشكيله على أسس جديدة: دولة مواطنة، لا دولة حصص . دولة تتّسع لكل أبنائها ، دون أن يشعر أحدهم بأنه غريب في وطنه.
وأخيرا وليس آخرا
بقى العراق بلداً ذا إمكانات هائلة ، وشعباً حيّاًلم يفقد الأمل رغم المحن . أما المحاصصة ، فإما أن تُقوّم لتكون جسراً نحو العدالة والمساواة ، أو تُستبدل بنظام أكثر نضجاً وعدلاً . فالرهان الحقيقي ليس على النظام وحده ، بل على وعي الناس ، ونزاهة وضمير من يتصدّرون المشهد دون تكلف ورياء .


