أمـــــراض مـزمنــــة

أمـــــراض مـزمنــــة
أصيب المجتمع العراقي بعد 2003 بأمراض اجتماعية مزمنة غذّتها نخب انتهازية، مثل الصدامية والتملق والشيطنة والتصديق الأعمى. هذه الظواهر عمّقت الفساد وشتّتت الأولويات. العلاج يكمن في التشخيص الفكري وبناء مواطن حر يعزز دولة المؤسسات....

تُصاب المجتمعات بالأمراض كما يصاب الإنسان، وبعض أمراض الإنسان عضوية تتم ملاحظتها بالعين المجردة وبالكشف بالأجهزة الطبية، والبعض الاخر لا تُرى بالعين المجردة ولا حتى بالاجهزة الطبية، وتلك عادة تكون أمراضاً نفسية معقدة، وعلاجها كذلك يكون معقداً، فما بالك اذا إذا لم يعترف الانسان بالاصابة بها وينكر تأثيرها في سلوكياته! ستكون هنا بالتأكيد المشكلة مركبة.

كذلك هي المجتمعات عندما تُصاب بأمراض نفسية، أو تُصاب مجموعات فيها بعلل لا تتم ملاحظتها بسهولة، أو لا تعتبر هذه المجموعات الاجتماعية ماهي مصابة به مرض أو علة بحاجة الى علاج! هنا ستؤسس هذه المجتمعات أو مجموعات فيها لمسار يختلف عن أخلاقياتها التي تسم نفسها بها وتتباهى بانتمائها لها، وعندذاك ستفقد هذه المجموعات الاجتماعية آلية مهمة لصناعة التقدم والتطور والتحديث وهي (التفكير الأولوي) بمعنى عدم قدرتها على التوفيق بين ما تعتقده وتؤمن به، وبين ما تتعرض له من تحديات العصر وظروفه الراهنة، فتصدر ردود أفعالها على شكل حزمة مرضية تمنعها من الانشغال بالأولويات.

في نهاية سلسلة (Game Of Thrones) ساد جدل محتدم بين النخبة السياسية الحاكمة الجديدة حول من له الأولوية؛ هل بناء الأسطول العسكري البحري أهم وأولى أم بناء بيوت “الإباحية”؟! ولعل الجواب يبدو بديهياً عند الكثير ممن يُمنحون حق الإجابة على هذا السؤال، فمن البديهي، بل من الضروري أن بناء القدرات العسكرية أهم من الترفيه، لكن في (عالم ويستريس) الإجابة قد تختلف، وهذا الجدل تأسس على مسار مجتمعي ثقافي يهدر البناءات المؤسساتية ويتجه لتنمية قضايا لا علاقة لها بالواقع، فقط لأنها تلبي رغبات الدهماء.

من هم الدهماء، وما هي توجهاتهم، وما هو ضررهم الاستراتيجي على بناء مؤسسات الدولة؟

في عراق ما بعد 2003 تكونت مجموعات نخبوية تكون حالة وسطى رابطة بين الشعب والنخبة السياسية الحاكمة، ومهمة هذه المجموعات النخبوية تغذية مشاعر عموم الشعب بمقولات جاهزة لدعم سلطة ومصالح الطبقة الحاكمة، وهنا الدهماء ليس عموم الشعب كما يروج عادةً، بل هنا الدهماء هم نخبة تمارس عملية تقريب وجهات النظر بين البسطاء برفدهم بشعارات زائفة وبين الطبقة الحاكمة بتقديس مصالحها عند البسطاء، والمحصلة النهائية من هذا الفعل هو ربط البسطاء بالسلطة للدفاع عن الأخيرة على حساب المصالح العليا للشعب والدولة، والدهماء النخبوية تستفيد من هذا الفعل السياسي المجتمعي الثقافي مكاسب مالية بشكل مباشر أو غير مباشر.

تأثير الأمراض المزمنة على المجتمع

وبالعودة الى (فكرة الأولويات) نلاحظ بشكل دقيق كيف ترك الكثير من النواب في البرلمان العراقي أهم التزاماتهم تجاه الشعب؛ وهو الالتزام الرقابي عبر القيام بالاستجوابات التنفيذية، فهل من الممكن أن دورة نيابية كاملة تخلو من استجواب المسؤولين التنفيذيين، هل هذا مراعاة للأولويات؟!

وفي الوقت الذي يحتاج العراق فيه إلى الجهد الرقابي المكثف والتفصيلي كونه مصابا بمرض الفساد المزمن، ترى كتلة برلمانية تتبنى استجواب الوزراء منذ بداية الدورة التشريعية الحالية تتخلى عن هذا الدور لتركض مع الراكضين في مسألة ملاحقة المرشحين للانتخابات المقبلة من أجل استبعادهم، في مشهد يكرس الدعاية الانتخابية الشعبوية الخالية تماماً من البرامج الانتخابية السياسية والتنموية.

إن استجابة المسؤولين لرغبات شرائح اجتماعية معينة لا تمت بصلة لبناء مؤسسات الدولة، من أجل خدمة المجتمع بشكل كامل دون النظر الطائفي والفئوي والمناطقي، يُعد نكوصاً عن الديمقراطية والحياة المدنية اللتين بُني عليهما نظام ما بعد 2003.

لقد أصيب المجتمع العراقي بسبب تغول دهمائه النخبوية في نسيجه الاجتماعي بأمراض متعددة، وهذه الامراض غير منظورة على نحو يتيسر للجميع تشخيصه، وبثت جماعات النخبة المنتفعة مقولات ليست في صالح المجتمع، لقد أحدثت هذه الامراض فرقة واضحة بين صفوف المجتمع وغذت نمطاً تفكيرياً مفارقا للمنطقية والعقلانية وملتصق تماماً بالشعارات الوهمية الجالبة للمزيد من التردي في مسار بناء دولة المؤسسات.

إن ظواهر مجتمعية كالصدامية والتملقية النفعية والتصديق الأعمى والشيطنة والانتهازية تحولت الى أمراض معدية، رغم أنها كانت مرفوضة سابقاً، ويتندر المجتمع أو بعض نخبه وشرائحه عليها، وهي مرفوضة حالياً ظاهرياً، لكنها معمول بها في نفس الوقت، ويجني العاملون بها ثمارها ونتائجها على كافة الأصعدة.

لقد أصبح المجتمع يمارس نشاطاً يعارضه من حيث المبدأ، وهذا ما يستدعي وضع أسس جديدة للبنية التحتية الاجتماعية، ونقطة البداية في هذا المسار هي الشروع بالتشخيص الفكري والعلمي للأمراض الاجتماعية خصوصاً تلك التي ترتبط بالتلقينات السياسية؛ أي التي تغذيها الأحزاب الحاكمة بهدف استغلالها كمنصة لانطلاق حملاتها الاستقطابية.

مرض “الصدامية”

إن مرض “الصدامية” يعني القبول المجتمعي بأفعال كان يمارسها نظام صدام، وهي مستنكرة عند أغلبية الشعب، لكن بعض النخب لا تمانع عودتها على يد السلطة الحالية، والقصد من هذا السلوك التبريري للحفاظ على السلطة وليس لتنظيم المجتمع وإعطائه حقه في العيش بكرامة، في هذا النمط الممروض تبرز شخصيات كاذبة ورغم ذلك يُقبل كذبها، بل يُبرر الكذب حتى لو تم اكتشاف أنه كذب فاقع، وحتى لو هو قال بأنه يكذب كذباً محضاً، فسوف يعتبر كذبه في خدمة المجتمع أو مجموعة اجتماعية معينة أو حماية لمكون طائفي محدد.

ومرض “التملقية” الذي يسمح لأصحابه بالانطلاق بسرعة الصاروخ في تسلم المناصب والحصول على المنافع داخل النظام السياسي، يضر بالمجتمع على نحو مركب، فهو من جهة يمنع الكفاءات من الحصول على استحقاقاتها الوظيفية، لأن المتملق يصل قبلهم إلى المنصب والامتياز المالي والإداري، ومن جهة أخرى يترك مرض التملقية أثراً سلبياً في توجهات المجتمع تجاه النظام السياسي ويعرقل خيارات الناس الإيجابية، فالتملق يصنع صورة حسنة لسياسي فاسد، والمتملق في هذا السياق ينفع نفسه ويضر المجتمع.

أما مرض “الشيطنة” فهو مدمر بشكل حتمي للثقة في صفوف المجتمع، فشيطنة الدهماء للمخالف بالرأي أو الموقف السياسي يصنع من هذا المخالف غولاً في نظر البسطاء فيكرهونه، وبتكرار هذه الشيطنة يفقد اغلب الناس الثقة بوجود نماذج مشرقة من الممكن أن تكون قدوات له يستضيء بنورها. ويرتبط بمرض “الشيطنة” مرض أخر هو “التصديق الأعمى” فهناك الملايين من الناس يصدقون اشاعات صاغتها النخب المنتفعة بدون أي أدلة عليها، وكل هذه الأفعال ستصوغ منهجية متكاملة في اعلاها يستوطن مرض نفسي خطير وهو “الانتهازية ضد الضحية” فالأصل من زرع كل هذه الأمراض في جسد المجتمع لدفع المجتمع إلى عدم التعاطف مع الضحية، بل ممارسة انتهازية ضد الضحية، والضحية هنا في اغلب الأحيان إنسان لا يستطيع العيش متناقضاً وازدواجياً في مجتمع تديره القوى الفاسدة وتربي الناس على الفساد بمساعدة الدهماء النخبوية.

انها السياسة يا سادة، هي فن اللعب على الرغبات، فن الخداع والتضليل، فن أن تكون دائماً مستفيد، لكنها تتقاطع بهذا الشكل أو بهذا الوصف مع أهم خيارات الأنسان ليعيش حياة حرة كريمة، تتقاطع مع أن تُقدم له الخدمات الأساسية والإنسانية المستدامة، فهذه الخدمات لا تقدمها بشكل مستمر ومنظم ويمشي بيسر وسلاسة إلا دولة المؤسسات القوية، وناقلو الأمراض المزمنة لا يهمهم على الإطلاق بناء دولة المؤسسات لأنها تؤثر على تنمية هوياتهم الفرعية، فالدولة تتكون من مجموعة أجهزة حيادية لا تعير اهتماماً للانتماءات والولاءات والتفضيلات الشخصية والفئوية، وأن نقطة الشروع التي اقترحناها أن نبدأ منها لمعالجة هذه الامراض المزمنة وتتلخص بالتشخيص الفكري والعلمي، يجب أن تنتهي بحقيقة واحدة وهي إنتاج مواطن حر يقرر ويختار وفقاً للمصالح العليا للدولة والشعب ليتحقق النفع العام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *