حزب الدعوة الإسلامية ومشتقاته: عشرون عاما من حكم العراق بين الميراث التاريخي وإخفاقات الواقع

حزب الدعوة الإسلامية ومشتقاته: عشرون عاما من حكم العراق بين الميراث التاريخي وإخفاقات الواقع
حكم حزب الدعوة عقدين من الزمن مثّل انتقال الشيعة من المعارضة إلى السلطة، لكنه اتّسم بالفساد والولاءات المتعددة وغياب المشروع الوطني. ورغم إنجازات ضد الإرهاب، ضاعت فرصة بناء دولة سيادة حقيقية، مما عمّق أزمة الثقة الشعبية....

• من المعارضة إلى السلطة.. تحول مصيري

شكّل سقوط نظام صدام حسين عام 2003 منعطفا تاريخيا لنقل حزب الدعوة الإسلامية من تنظيم معارض، تغذّى عقودا على خطاب المظلومية، إلى قوة حاكمة تواجه تحديات بناء دولة خرجت من حرب، حصار، واحتلال.

تولّى رئاسة الوزراء منذ 2003 وحتى اليوم، وباستثناء فترات انتقالية قصيرة، قيادات مرتبطة مباشرة أو فكريا بحزب الدعوة:

– إبراهيم الجعفري (2005–2006): أول رئيس وزراء منتخب بعد الاحتلال، مثّل انتقال الحزب من المعارضة إلى إدارة الدولة.

– نوري المالكي (2006–2014): أطول من حكم في مرحلة ما بعد صدام، قاد الحرب الأهلية ضد الإرهاب وسقطت في عهده الموصل بيد داعش.

– حيدر العبادي (2014–2018): أشرف على تحرير الأراضي من داعش بقدرات الحشد الشعبي وبمشاركة الأجهزة الأمنية الاخرى.

– عادل عبد المهدي (2018–2019): غير منتمي تنظيميا إلى الدعوة لكنه خرج من بيئتها السياسية، سقطت حكومته في مؤامرة تشرين.

– مصطفى الكاظمي (2020–2022): مستقل، حكومة انتقالية لتهيئة الانتخابات المبكرة.

– محمد شياع السوداني (2022–حتى اليوم): قيادي سابق في حزب الدعوة -تنظيم العراق، وعدّ اختياره عودة لبيئة الدعوة في رئاسة الوزراء.

بهذا، يمكن القول إن حزب الدعوة ومشتقاته ظلّوا اللاعب الأبرز في إدارة السلطة التنفيذية طوال عقدين.

وهذه الهيمنة تجعلنا نطرح اسئلة جوهرية:

-كيف أدار الحزب هذه المسؤولية التاريخية؟

-وما هو رصيد حكمه بين وراثة دولة فاشلة وبناء مستقبل مزدهر؟

  • بين إرث الدكتاتورية وفوضى الاحتلال

عند تقييم هذه التجربة، يجب وضعها في إطارها الموضوعي، فالعراق الذي ورثه حزب الدعوة لم يكن دولة! بل هيكلا مدمّرا، ومع ذلك يمكن تسجيل بعض النجاحات المهمة:

1الحفاظ على بقاء الدولة رغم الفوضى: وسط العنف الطائفي (2006–2008) والانقسام السياسي الحاد، تمكّنت القوى الشيعية، بقيادة حزب الدعوة، من منع انهيار كامل للدولة، والحفاظ على حدّ أدنى من مؤسساتها.

2-قيادة المعركة الوجودية ضد داعش: رغم أن أخطاء السلطة ساهمت في سقوط الموصل وأكثر من ثلث العراق، فإن عملية التحرير (2014–2017) مثّلت نموذجا استثنائيا لوحدة المقاومة الرسمية والشعبية، حشدا وجيشا، بدعم محور المقاومة، لتحقيق معجزة استعادة الأرض وضرب مشروع التقسيم.

3-تثبيت هوية الأغلبية في الدولة: بعد عقود من القمع، انتقل الشيعة من موقع الضحية إلى موقع الشريك الفاعل في الحكم، وهو شرط أساسي لأي استقرار مستقبلي، حتى وإن جاءت الآليات مشوّهة بالمحاصصة والتدخلات الأجنبية.

•حين غابت الدولة وحضرت السلطة

الإخفاقات لم تكن مجرد سوء إدارة، بل كشفت عن أزمة بنيوية في الرؤية والقرار:

1-الفساد كنظام حكم: تحوّلت الدولة إلى غنيمة للأحزاب، وصار نظام المحاصصة هو القاعدة، ما أضعف المؤسسات، ودمّر الثقة العامة.

2-غياب مشروع وطني جامع: بدل أن تكون السياسية منطلقا لبناء دولة سيادة، تحوّل الحكم إلى إدارة توازنات داخلية وخارجية، بلا رؤية توحّد العراقيين على عقد اجتماعي جديد.

3-التبعية وتضارب الولاءات: بقي القرار العراقي رهينة محاور إقليمية ودولية، تحرّكه تارة الضغوط الأمريكية وتارة الحاجات الإقليمية، ما أفقد العراق فرصة التموضع المستقل القوي الذي يخدم مصالح الوطن.

4-الاقتصاد الريعي والفرصة المهدورة: خلال عقدين دخل للعراق ما يقارب التريليون دولار من صادرات النفط، لكن بلا نهضة زراعية، صناعية، أو تكنولوجية حقيقية، وبدل بناء قوة اقتصادية سيادية، زاد الفقر، البطالة، والاعتماد على الخارج.

•بين ضغط الخارج وعجز الداخل

لا شك أن الحزب لم يحكم في رفاه، الاحتلال الأمريكي، الإرهاب التكفيري، الحصار العربي، وحتى صراع المحاور جعل العراق ساحة مستباحة.

ومع ذلك، يبقى السؤال:

هل استثمر دعم محور المقاومة (إيران، حزب الله، القوى الإقليمية الحليفة) ليبنى عراق قوي سيادي، أم استهلك هذا الدعم في معارك بقاء نخب سياسية فقدت بوصلتها العقائدية والاخلاقية؟

  • تقييم التجربة، بين المسؤولية تاريخية والفرص الضائعة

بعد عقدين، يظهر أن حزب الدعوة، رغم شرعيته النضالية، افتقر إلى التحول من ثقافة السلطة إلى ثقافة الدولة.

مثّل وصوله إلى الحكم تصحيحا لمسار تاريخي ظالم، لكنه لم يتحول إلى قاعدة مشروع وطني جامع.

والتاريخ سيسجل للحزب أنه حمل راية المعارضة وأوصل الشيعة إلى الحكم، لكنه أيضا سيسجل:

-إضاعة فرصة بناء دولة سيادة حقيقية تخدم العراق ومحور المقاومة معا.

-ترسيخ منظومة محاصصة فاسدة عطّلت أي إصلاح.

-تحويل المقاومة السياسية إلى تنافس سلطوي بلا أفق استراتيجي.

-فقدان الثقة الشعبية.

وهو ما تجلى في مؤامرة تشرين 2019 التي كادت ان تسقط الدولة وكشفت عمق الهوة بين الجماهير والقوى الحاكمة.

•اخيرا: ما بعد حزب الدعوة

لم يعد النقاش حول حصيلة حكم حزب الدعوة فقط، بل حول مستقبل العراق ككل.

إما أن يستمر الدوران في حلقة الفشل ذاتها تحت لافتات مختلفة، أو يطلق مشروع وطني جديد يزاوج بين روح المقاومة والسيادة، ويكسر منظومة المحاصصة، ويعيد الاعتبار للكفاءة والخدمة العامة.

إن العراق بحاجة إلى انتقال جديد:

من إدارة الأزمة إلى بناء الدولة، من الولاءات المتعددة إلى السيادة الواحدة، من سلطة الأحزاب إلى شرعية الأمة.

وهذه هي اللحظة التي تحدّد ما إذا كان محور المقاومة في العراق سيبقى عبئا يستخدم في التوازنات، أم يتحوّل إلى رافعة لبناء دولة قوية، مستقلة، عصيّة على الانهيار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *