التوقيع الإلكتروني في العراق إصلاح رقمي أم ترقيع إلكتروني؟

التوقيع الإلكتروني في العراق إصلاح رقمي أم ترقيع إلكتروني؟
التوقيع الإلكتروني في العراق يفتقر للبنية التحتية والأمن السيبراني والثقافة القانونية، مما يجعله خطوة شكلية لا إصلاحاً حقيقياً. نجاحه يتطلب هيئة متخصصة، تدريباً واسعاً، وتطبيقاً تدريجياً يضمن الثقة والموثوقية في المعاملات الرقمية....

أعلن رئيس مجلس الوزراء العراقي عن إطلاق العمل بالتوقيع الإلكتروني في مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمواطنين، باعتباره أحد أهم التزامات البرنامج الحكومي في مجال التحول الرقمي. ورغم أهمية هذه الخطوة من حيث المبدأ، إلا أن السؤال الجوهري يبقى: هل العراق جاهز فعلاً لتطبيق التوقيع الإلكتروني؟

القانون موجود منذ 2012

العراق أصدر قانون التوقيع والمعاملات الإلكترونية رقم (78) لسنة 2012، والمنشور في جريدة الوقائع العراقية بالعدد 4256 في 5 تشرين الثاني 2012، الذي وضع إطارًا قانونيًا متقدمًا لاعتماد التوقيع الإلكتروني أمام المحاكم والدوائر الرسمية.

لكن المشكلة أن القانون بقي حبرًا على ورق لأكثر من عقد من الزمن بسبب غياب الإرادة المؤسسية والبيئة التقنية اللازمة.

أين البنية التحتية؟

التوقيع الإلكتروني لا يعني مجرد الضغط على زر، بل يتطلب:

  • مراكز بيانات وطنية آمنة.
  • أنظمة حماية سيبرانية تمنع الاختراق والتزوير.
  • ربط شبكي بين مؤسسات الدولة لتبادل المعلومات.

وكل هذه الركائز ما زالت ناقصة، ما يجعل التطبيق الحالي أقرب إلى إعلان إعلامي من كونه إصلاحًا عمليًا.

غياب الثقافة القانونية

المحاكم العراقية لم تتعامل حتى الآن مع التوقيع الإلكتروني كوسيلة إثبات أساسية، والمواطنون لا يثقون بسهولة بالأنظمة الرقمية الحكومية نتيجة تجارب سابقة فاشلة. كما أن الموظفين لم يتلقوا التدريب الكافي، مما يفتح الباب أمام أخطاء أو حتى إساءة استخدام.

مخاطر “الترقيع الإلكتروني”

إطلاق التوقيع الإلكتروني في ظل هذا الواقع قد يؤدي إلى:

  • معاملات رقمية غير محمية قانونيًا.
  • إمكانية الطعن في حجية التوقيع أمام القضاء.
  • استمرار الروتين بشكل “رقمي”، أي بيروقراطية إلكترونية بدل القضاء على البيروقراطية الورقية.

التوقيع الإلكتروني خطوة ضرورية في التحول الرقمي، لكنه في العراق اليوم يمثل قفزة غير محسوبة تتجاوز غياب البنية التحتية وضعف الثقافة القانونية والأمنية. وإذا لم يتم استكمال مستلزمات قانون رقم 78 لسنة 2012، فإن هذه الخطوة قد تفقد ثقة المواطنين بدلًا من أن تعززها.

كما أن التجربة العملية في بعض الوزارات والمؤسسات الصغيرة أظهرت وجود مشاكل تقنية تتعلق ببطء الشبكات، وفقدان البيانات في بعض الحالات، وصعوبة توحيد الإجراءات بين المؤسسات. هذا الواقع يخلق شعورًا بالارتباك لدى الموظفين والمواطنين على حد سواء. يحتاج العراق إلى خطوات تدريجية مدروسة لتطبيق التوقيع الرقمي بشكل آمن وموثوق. ويجب أن تترافق هذه الخطوات مع حملات توعية مستمرة لضمان قبول المواطنين والمستخدمين للنظام الجديد. أي تجاهل لهذه الجوانب قد يؤدي إلى فشل المشروع رغم وجود الإطار القانوني.

ما المطلوب؟

  • بناء هيئة وطنية للأمن السيبراني مستقلة.
  • تدريب القضاة والموظفين والمواطنين على التوقيع الرقمي.
  • تطبيق تدريجي يبدأ بالمؤسسات المالية والقضائية الأكثر حساسية.
  • توعية عامة لتغيير ثقافة التعامل مع “الورقة المختومة” إلى “التوقيع الرقمي الموثق”.

الخلاصة للرأي العام: إطلاق التوقيع الإلكتروني قبل استكمال بنيته التحتية وأمنه السيبراني ليس إصلاحًا حقيقيًا، بل هو ترقيع إلكتروني قد يضاعف الفوضى بدلًا من حلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *