لا يمكن لأي قارئ لهذه المدونة الرجعية الا ان يتأكد ان كاتبها او كتابها أو المشرفين عليها هم رجال دين، فاغلب موادها، ان لم نقل جميعها تشير الى ذلك، لغة واصطلاحا وموضوعا، لهذا فسيكون عليها الكثير من الحديث، بسبب انها رسمت او خططت أو فٌصلت لمجتمع على قياسات ومعايير وفهم رجال الدين هؤلاء، وذلك ليؤكدوا هيمنتهم وسيطرتهم التامة على كل مفاصل المجتمع.
في الفصل السابع من هذه المدونة الرجعية والظلامية، والمسمى بفصل “احكام النشوز”، وهو مصطلح قبيح جدا، غالبا ما يقال للمرأة من انها “ناشز” وهي التي “خرجت عن طاعة الرجل”، لهذا فمشرع المدونة يريد ان يؤكد هيمنة الرجل على المرأة، جعل لها فصلا كاملا، وهذا الفصل فيه حديث كثير بسبب دلالاته، لكن لنقف هنا عند سلب هذه المادة الاعتراف بأحكام القاضي في المحكمة، لنقرأ:
المادة “73“
ب: “يشترط موافقة المرجع الديني على إيقاع الطلاق في الحالات الثلاث المتقدمة”.
هذه المادة واضحة جدا، فاذا أراد رجل ان يطلق زوجته، حسب الأسباب التي ذكرتها المواد “70،71،72″، هذه الحالات الثلاث فصلت أسباب دعوى الطلاق، منها “هجر الزوج زوجته” ومنها “اعتداء الزوج على زوجته بلا مبرر” ويجب وضع خطوط كثيرة على كلمة “بلا مبرر”، ومنها “إذا امتنع الزوج عن الانفاق على زوجته”، وهذه الأسباب أيضا فيها حديث كثير، ليس هذا محله.
يعني ان القاضي يستطيع ان يفرق بين زوج وزوجته لتلك الأسباب، لكن يبقى الامر مرهون بموافقة المرجع الديني، أي بمعنى ان القاضي “لا شيء”، هذا بدلالة المادة “74” من ذات الفصل، وهذه المادة ملغومة بالنسبة لزعامة الطائفة الشيعية ذاتها، المشرعة لهذه المدونة الرجعية، فهي تبدأ بتعريف المرجع الديني- وهذا التعريف يشمل كل المدونة- بالقول:
“هو المرجع الديني الأعلى-أي من يقلده أكثر الشيعة في العراق- أن وجد، والا فأشهر المراجع المعروفين بالفقاهة والعدالة في النجف الاشرف”. هذا هو التعريف بنص المادة، ولا نعرف كيف سيتفقون على مرجع ديني اعلى معين ومحدد، والجميع يدرك ان هذه القضية مستعصية على الحل في النجف.
في نفس المادة “74-ب”، تم الزام المحاكم بالتواصل مع المرجع الديني، بالتنسيق مع الوقف الشيعي، لاستحصال موافقة فيما من مواد هذه المدونة؛ أي ان أي حكم يصدر من القاضي داخل المحكمة لا يقبل به المرجع الديني يرفض، وللتأكيد على هيمنة المرجع الديني على الاحكام والقضاة، نصت ذات المادة في قسمها ج على:
“اذا تصدى المرجع الديني لممارسة شيء من الصلاحيات الممنوحة للقاضي في مواد هذه المدونة- وهي له في الأساس بحسب الفقه الجعفري-ووثق ذلك بكتاب صادر منه-أو من مكتبه يلتزم بمقتضاه من قبل قاضي محكمة الأحوال الشخصية”. هذه القسم ج يحسم قضية سيطرة وهيمنة المرجع الديني ومكتبه في كل قضايا المدونة، ولم يبق للقضاة او المحاكم اية شخصية قانونية ولا معنوية.
النتيجة
ما يعني ان السيد فائق زيدان ومجلس القضاء الأعلى والقضاة ومحكمة التمييز وأي محكمة أخرى في مناطق الفقه الجعفري سيكونون معطلين عن العمل، وسيكون ذهابهم الى مكاتبهم شكلي جدا، وسيقل احترامهم من الناس، فسيقول من يدخل قاعة محكمة “هيا، احكم بما تريد، لكننا سنحول القضية للمرجع الديني او لمكتبه”.
هذه مادة واحدة فقط من هذه المدونة الرجعية والتافهة جدا، هذه المدونة التي شرعها رجال دين متخلفين وظلاميين لا يفكرون الا بالجنس والمال، رجال الدين يعيشون بعقول القرون الوسطى، ويريدون ان يطبقوا ما بعقولهم من عفن تلك القرون على عصر الذكاء الاصطناعي.


