مثلما تشتد ضرورة مقاومة الهجمات والغزوات العسكرية، تشتد ضرورة المقاومة الثقافية في عصر الغزو الثقافي الذي تشكلة خوارزميات الذكاء الاصطناعي على حياتنا الثقافية والنفسية ـ مقالي في جريدة الصباح حول مفهوم (المحتوى الخلافي، التفريقي، الانقسامي) Divisive Content الذي يدخل في صميم أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ضمن (الذكاء الاصطناعي الذي يركز على الإنسان) HCAI
أثار مقتل الناشط الإعلامي والكاتب الأمريكي ـ المناصر للصهيوينة ﭽـارليس كيرك في حرم جامعة يوتاه أسئلة بشأن محتوى التفرقة أو المحتوى الانقسامي Divisive content (الخلافي الداعي إلى الفرقة) ومدى تأثيره في صناعة العنف وتبرير قتل المختلفين سياسيا أو عقائديا. ولأن “المحتوى الخلافي” يزدهر بشكل مرعب على الإنترنت لأن الخوارزميات تربح من “الإثارة” إثارة الغضب والانفعالات القوية، وردود الأفعال. ولهذا تروّج المنصات للمحتوى “الرئيسي” ـ أي المرموق، المرتبط بمشاعر المجتمعات الأخلاقية والعاطفية (أو الحزبية والعقائدية) ـ لأنه يزيد من النقرات، والمشاركات، والمشاهدات والإعلانات. مما يزيد الربح والإقبال. وهو ما يدفع الناس لنشر كل ما يثير الجدل والاختلاف والتفرقة والانقسام، فتقوم المنصات بتضخيمه، مما يساهم في الاستقطاب والتطرّف الذي يهدد السلام المجتمعي، ويضر بالأمن القومي. هذه السياسة الربحية للخوارزميات تشجع المستخدمين على نشر رسائل استفزازية، تدعو الجميع إلى مشاركتها: الداعمين بتبنيها ونشرها، والمعارضين برفضها والرد عليها.
إن المنشورات الإلكترونية والمحتويات الرقمية وبخاصة الخلافية والانقسامية منها، والتي يتم تغذيتها بالخوارزميات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، تعد من شؤون الأمن القومي، لكونها إحدى وسائل في غاية الخطورة تسهم في تخريب ثقافة السلم الأهلي، وزرع الفرقة والانقسام بين أبناء الأمة الواحدة، وهو ما يتطلب معرفة أسرار عملها، وإدراك خطورتها، ووضع الثقافة الواعية للحصانة منها.
أمثلة “انقسامية” من العراق تُظهر تأثير الخوارزميات:
- الخبر الأول: مقبرة جماعية في الخسفة قرب الموصل: بدأ العراق في آب 2025 بفتح مقبرة جماعية يُعتقد أنها تحتوي على أكثر من 3,000 ضحية من العراقيين الذين قتلهم “داعش” الإرهابي، من منتسبي القوات الأمنية من الشرطة والجيش، إضافة إلى المدنيين من الأيزيدين وغيرهم (المصدر: الجزيرة، المونيتر، ومواقع أخرى)
- الخبر الثاني: قضية الطبيبة بان زياد في البصرة: فُوجئ الرأي العام بقصة وفاة الطبيبة النفسية، بان زياد، في الرابع من آب 2025، حيث ترى السلطات الرسمية بأنها انتحار، بينما يشكّك مواطنون في رواية الانتحار لوجود أدلة على اعتداء. وقد حكمت محكمة استئناف البصرة بأنها “انتحار”، وأُغلق التحقيق رسميا. وقد أثارت القصة غضباً واسعاً، وأشعلت مواقع التواصل الاجتماعي بروايات مختلفة ومتناقضة. بحيث طغى الجدل الاجتماعي والسياسي في هذه الحادثة على تغطية جريمة “داعش” في “الخسفة” وغيرها من جرائم “داعش” الكبيرة (وكالات أنباء متعددة).
كيف يطغى خبر حادث فردي على خبر المجزرة الكبيرة؟
- الأخبار والقصص الخبرية التي تُثير المشاعر الشخصية القوية، خاصة ما يثير القلق على الحقوق والعدالة، تستقطب وتلفت الانتباه أسرع من أخبار القتل الجماعي التي تبدو “بعيدة” أو من الماضي”، وهو مقياس الخوارزميات في ترتيب أهمية الخبر، أو القصة الخبرية، لا كما يعرف في المقاييس الصحفية بأهلية الخبر New worthy .
- الجدل حول مقتل “بان زياد” خلق فجوة كبيرة في الإعلام والمنصات الاجتماعية، وفرق بين أبناء المحافظة الواحدة والطائفة الواحدة، بل والبلد الواحد، وشدّ الانتباه اليه بقوة، بينما بقي خبر آلاف الضحايا في “الخسفة” ضمن تغطيات أقل نشاطا، رغم أنه يمس الذاكرة الوطنية، في تضحيات العراقيين، ووحدتهم أمام الإرهاب، وبطولاتهم وتحريرهم لأرضهم وكذلك المساءلة والعدالة.
- هذا التمييز في التغطية يعكس كيف تعمل خوارزميات الأخبار ووسائل التواصل، وتكشف أن ما يُثير الجدل الشخصي أو العاطفي يُنتشر أكثر، حتى لو كانت الفوارق في الأذى والضرر، والتأثير المأساوي أكبر بكثير في الأمثلة الأخرى.
مقاومة ثقافية: خطوات مقترحة للتصدي لهذه الظاهرة
القضاء على المحتوى الانقسامي لا يعني تجاهل القصص الصغيرة، ولكن ضمان ألا تُطمس القصص الكبيرة التي تُظهر آلام جماعات بأكملها. فالمجتمعات تحتاج إلى إنصافٍ شامل وإلى عدالة تُحترم فيها كل حالة إنسانية، سواء كانت فرداً واحدا أو آلافا من الأفراد. ولكسر هذه الحلقة، نحتاج إلى عدد من الأعمال المشتركة على عدة مستويات:
على مستوى الأفراد: عليك، وخاصة إن لم تكن صحفيا، أن تتوقف وتحسب ألف حساب قبل المشاركة، كالتحقق من المصادر، عبر القيام ببحث الانترنت قبل النشر، وتنويع مصادر المعلومات لتجنب سياسية القطيع، والانجرار إلى “التضخيم” “البوق” Echo Champer.
الوعي المجتمعي: نشر الوعي الرقمي، بناء فضاءات آمنة للحوار والتركيز والاهتمام بالقصص الإيجابية عن التعاطف والتعاون، وخلق الأجواء الأكثر ثقة بين أبناء المجتمع. بالإضافة إلى وعي حركة وسياسات المجتمع الرقمي، بحيث يفهم الجمهور أن “الشياع” أي ما يُشاع كثيرا” لا يعني بالضرورة أنه أهم مما “يُسكت عنه”.
مسؤولية المنصات: تتمثل في تحكيم التوازن في التغطية الصحفية، وفي تشجيع وسائل الإعلام على إعطاء الأولوية للقضايا التي تمس مصير الأمة والشعب ككل، أي تستهدف عددا أكبر من الناس، حتى لو لم تكن مثيرة بنفس الدرجة. وتتمثل أيضا في إعادة تصميم الخوارزميات لتقليل المحتوى المثير للغضب، تعزيز الإشراف والمراجعة، إضافة خطوات تنبيه مثل “هل أنت متأكد من النشر؟”، وتوفير الشفافية حول كيفية انتشار المحتوى.
مسؤولية الحكومات: سن القوانين الواضحة التي تجرّم التحريض على العنف عبر الإنترنت، وانشاء رقابة مستقلة على الخوارزميات، وتقديم حوافز للمنصات التي تشجع على التفاعل الصحي، والمحتوى الإيجابي، وكذلك توثيق الجرائم، والتعرف على الضحايا، وإعطاء الأفضلية لملاحقة القضايا التي تغطي نطاقاً واسعاً من الضحايا دون اعتبار لموقعهم الاجتماعي أو الإثني أو الجغرافي.
المقاومة الثقافية: يعمل المثقِّفون (المساهمون في صناعة الثقافة) والمؤسسات الثقافية على نشر الخطاب الذكي المضاد المستند إلى القيم الأخلاقية المشتركة، وقيم الدين الداعية للتسامح ورفض الإفك والظن، والتقاليد المدنية في التعددية، لنزع الشرعية عن خطاب الكراهية، ولإبراز قيم التعايش السلمي. دون أن ننسى أن الخوارزميات تعتاش على القضايا الخلافية.
فالقضاء على المحتوى الانقسامي لا يعني الرقابة فقط، بل يعني فهم عمل الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، ومن ثم بناء مقاومة ثقافية ومناعة رقمية، في تحصين الأفراد والمؤسسات عبر التثقيف الحيوي لمقاومة الرسائل الضارة والخطابات القاتلة قبل أن تتحول إلى عنف دموي.


